الشيخ والكاهن

نشر في: آخر تحديث:

في مرحلة حياته الأولى يقول الكاتب السوري المسيحي الراحل قبل أيام «جورج طرابيشي»، إنه سمع وهو في نهاية طفولته ومبدأ شبابه درسا دينيا من الكاهن في المدرسة يصور عذاب جهنم، وأن الذنب في المسيحية ثلاثي، ذنب الفعل والقول والتفكير.

وبعد خروجه من المدرسة وسماعه لذلك الدرس، صادف في إحدى الشرفات 3 فتيات جميلات جالسات فغض عنهن النظر وحاول طردهن من تفكيره لما في التفكير من ذنب يخلده في النار.

على إثر ذلك ـ يقول ـ أصبت بحمى أقعدتني يومين في الفراش، ولما أفقت من مرضي صرت أفكر بقول الكاهن. قررت بعدها الخروج من المسيحية!!

وفي محطة ثانية يقول طرابيشي: وفي المدرسة الثانوية وهي مدرسة حكومية يدرس فيها الدين الاسلامي، كتب الشيخ مدرس مادة الدين على السبورة «كل من هو ليس بمسلم فهو عدوك» يقول وبعد فتح باب الاسئلة وقفت وقدمت نفسي للشيخ وقلت اسمي «جورج طرابيشي» ولدت على الديانة المسيحية، فهل أنا عدوك؟!

خجل الشيخ واعتذر وامتدح المسيحيين وأنهم من أهل الكتاب وما إلى ذلك!

وفي محطة ثالثة يقول طرابيشي «عما حدث في السجن الذي ضمه مع رفاق بعثيين ويساريين ومسيحيين مثله، وكان حينها أبا جديدا لبنت عمرها سنتان، ولما دار الحديث عن «الشرف» ووجوب ذبح المرأة الخاطئة زوجة او بنتا أو أختا، وكان الرفاق متحمسين لعملية الذبح وغسل العار، كان هو على خلاف معهم وراح يتساءل كيف أذبح «مايا» ـ ابنته ـ فنبذه «الرفاق التقدميون اليساريون» وقطعوا صلتهم به ولم يعودوا يحدثونه، فطلب نقله إلى زنزانة انفرادية يعيش فيها منفردا وبعيدا عن أولئك الرفاق الذين احتقروه وقاطعوه!!

ليخلص إلى نتيجة وهي أنه في «المخ البشري تتواجد طبقتان طبقة فوقية سطحية يمكن أن تكون سياسية تقدمية اشتراكية وحدوية، وطبقة بنيوية تحتية داخل هذا المخ رجعية حتى الموت، سواء كان حاملها مسيحيا أو مسلما».

و«أن الموقف من المرأة في مجتمعاتنا يحدد الموقف من العالم بأسره».

لخصت جزءا من هذا المقال المطول الذي كتبه «جورج طرابيشي» وتناول فيه سيرة حياته، ونقلت بعضا مما كتب نقلا حرفيا، بقصد التأكيد على أن أزمتنا فكرية، وأننا بعيدون كل البعد عن حلها، بل إننا نمضي إلى تكريسها!!

*نقلاً عن صحيفة "الأنباء"