جورج طرابيشي آخر المفكرين التنويريين العرب!

نشر في: آخر تحديث:

رحيل جورج طرابيشي في منفاه الباريسي كأنه وداع طويل لآخر المفكرين العقلانيين العرب في القرن العشرين. إنه التنويري بكل ما تحمل الكلمة من معنى: تنويري حداثي عنيد، في زمن محاولات طمس التنويرية، والحداثة والحضارة العربية، بنوافذها الفلسفية والفكرية (من المعتزلة إلى ابن رشد...)، رافق كل ما صنع القرن العشرون، تماهى به أحياناً كالفكر القومي، ثم الماركسية، ثم الهيغلية، من دون أن ننسى الفرويدية وصولاً إلى نقد العولمة. لكن، إذا كان جورج طرابيشي قد غَزُر في عطاءاته ونوّع في آفاقه، وتداخل في العديد من الانتاجات الفلسفية، والتراثية، والإيديولوجية، فإن مساره في كل هذه «الأدغال» تميز بالنقد العقلاني. فالفلسفة عنده نقد وليست لعبة مفاهيميات مجردة، وكذلك التحليل النفسي، بل إنه وضع توجهاً طموحاً «نقد نقد العقل العربي» بموسوعته الشاملة رداً على الجابري وسواه. فهو العقلاني وما عقلانية بلا مهمة نقدية، تحليلية أو تفكيكية، صارمة. والمهم أن جورج طرابيشي لم يكتف بوصف هذه الظواهر الفكرية والفلسفية والنفسية في القرن العشرين وممثليها (سارتر، سيمون دو بوفوار، ماركوز..) بل إنه استمد بعض مناهجها وقارب بها المجتمع العربي والعقل العربي... ومارس سمات الفرويدية ليعالج بها بعض القضايا العربية، الراهنة والتراثية. وهذا منحى جديد. لكن إذا كان جورج طرابيشي تعدد في مرجعياته وإحالاته بين ماركسية أيديولوجية، وفرويدية مكرسة، وهيغلية تحت المجهر، فإنه، وبحيوية فكرية فائقة، وبثقافة تراثية قديمة، وغربية متفتحة (خاضعة للحس النقدي)، تمكن من استخلاص منهجية مشرعة (غير مغلقة) لمقاربة التراثين العربي والإسلامي، بذهنية البحث في إنجازاته الفلسفية، والنفسية، والأدبية. فهو لم ينف التراث كما فعل العديد من الحداثيين «الأصوليين»، ولم يستسلم للمعطيات الجديدة، كما فعل بعض المفكرين، لكنه وقبل كل شيء، اعتبر أن العقل العربي تجاوز تلك التحديات الأفقية و»الحتمية» بصفتهم عاجزاً عن استيعاب الفكر والفلسفة والعلم. دافع عن التراث العربي بمخزونه التنويري، والعقلاني، سواء في العصر العباسي أو الأندلسي... لكن ذلك دفعه أيضاً إلى ممارسة نقدية على مجمل مطارحات القرن العشرين العربي، بأدوات عقلانية، بعيداً من التخريف، والأسطرة، أو النفي أو التعظيم.

إنه جورج طرابيشي المفكر الفيلسوف، والمحلل النفسي، والمتبحر التراثي، والمتعمق في ثقافات عصره، وإذا كان ذلك واضحاً في كتاباته النقدية في مستوياتها المختلفة، فإن ترجماته الوعرة التي خاض بها أصعب النصوص التحليل-نفسية والفرويدية والهيغلية والماركسية، أثرت المكتبة العربية، وملأت فراغاتها. فمن ترجماته الفلسفية «تاريخ الفلسفة» لإميل برهييه (8 مجلدات) و»الإنسان ذو البعد الواحد» لهربرت ماركوز و»الفوضى والعبقرية» لسارتر، و»المدخل إلى علم الجمال» لهيغل... ومن الكتب النفسية «الحلم وتأويله» و»مستقبل وهم» و»النظرية العامة للأمراض العصابية» و»نظرية الأحلام» و»موسى والتوحيد» و»الطوطم والحرام» وكلها لفرويد...

برحيل جورج طرابيشي (1939 2016) تخسر الثقافة العربية أحد أركانها التنويريين والتقدميين والعقلانيين... والمنفتحين بقوة المعادلة بين التراث والحداثة، وبين الـ»نحن» و»الآخر»... إنه آخر المفكرين التنويريين الكبار.

*نقلاً عن صحيفة "المستقبل"