جورج طرابيشي.. زمن جميل مضى

نشر في: آخر تحديث:

وُلد في آذار 1939 ورحل في آذار 2016 عن 77 عاما ، وفي الشهر الماضي احتفل بالانتهاء من موسوعته عن "نقد نظرية العقل العربي"، والتي خصصها للرد على المفكر المغربي محمد عابد الجابري صاحب المشروع الكبير" نقد العقل العربي" . كان في الرابعة عشرة من عمره حين سمع مدرس الدين يحذرهم من عذاب الجحيم ، عجزهُ عن استيعاب حجم العذاب الذي سيتلقاه بعد ان يموت زاد من حيرته ، وبقي في ذاكرته صوتان: الكاهن المسيحي يحذر من عذاب الآخرة ، ورجل الدين المسلم الذي ظل يردد "كلّ من هو ليس بمسلم فهو عدوّ للإسلام " .

هاجر من مدينته حلب بعد ان ضاقت به سبل التعليم ، فقرر والده ان ينتقل بالعائلة الى دمشق، فابنه الذي تجاوز الخامسة عشرة من عمره يولي اهتماما للدرس والمعرفة ، وكان الاب يحلم بأن ولده البكر سيصبح يوما قاضياً . نشأ جورج طرابيشي في عائلة مسيحية تواظب على الذهاب الى الكنيسة ، وفي دمشق التي وصلوها وجد الأبن جورج متسعاً من القراءة والبحث فانكب على القراءة والدراسة التي اوصلته لأن يصبح في بداية الستينات مديرا لإذاعة دمشق . ولأن المعرفة والبحث والجدل دائما ما تؤدي بأصحابها إما الى السجن او المنفى، فقد اختار طرابيشي ان يرحل الى لبنان التي فتحت امامه ابواب النشر ليقدم خلال سنوات قليلة عشرات الكتب توزعت بين هيغل وماركس وجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وروجيه غارودي ، والاقرب الى عقله سيغموند فرويد الذي خصص له القسم الاكبر من اهتمامه – ترجم ٣٠ كتابا عن الفرنسية ، وسعى الى تطبيق منهجه على الادب العربي من خلال عدد من الدراسات كان ابرزها : الله في رحلة نجيب محفوظ، ونوال السعداوي " أنثى ضد الأنوثة " ، والرجولة وأيديولوجيا الرجولة في الرواية العربية ، عقدة أوديب في الرواية العربيّة ، دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية ، لعبة الحلم والواقع عند توفيق الحكيم ، والمثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي - والذي اشر فيه بوضوح الى المرحلة الظلامية التي تمر بها المجتمعات الغربية : الظلامية هي مثل الثورات، بل أكثر من الثورات، في قسوتها على أبنائها. فإن كانت الثورة تنتهي بأكلهم، فإن الظلامية تبدأ به. فهي لا تطيق وجود متنورين حتى في صفوف دعاتها- ."

في تلك المرحلة المضيئة كان جورج طرابيشي ينام حالماً بعالم العدالة الاجتماعية ، لكنه يفيق على صوت المشاحنات السياسية ومعارك الرفاق ، ورغم الصعوبات استطاع ان يجعل من نفسه مكتبة مستقلة من الأدب وعلم النفس والفلسفة ، وكان كل يوم يحاول ان يكتشف الجديد في علوم المعرفة الانسانية لكي يقدمه للقارئ العربي .

المحطة الثالثة من رحلة المهجر كانت باريس ، التي لجأ اليها هرباً من الحرب الأهليّة اللبنانية ، والتي كرّس فيها ربع قرن من حياته في معارفة وسط العامة والجدال العميق مع المفكر المغربي محمد عابد الجابري. والغريب ان طرابيشي يذكر في مقاله التأبيني عن الجابري ان الأخير لم يرد عليه ، لكنه كان متضايقا من امر رجل مسيحي يحاول ان يدس أنفه في التراث الاسلامي .

اقترن اسم جورج طرابيشي بمفكرين سوريين كبار من امثال إلياس مرقص وصادق جلال العظم ، بالرغم من فوارق الاهتمامات والانشغالات بينهم . وقد شكل هذا الثلاثي ومعهم السوري الرابع سامي الدروبي أثراً كبيراً في أجيال كاملة تربت على كتاباتهم ويندر ان لايجد مثقف عربي جزءاً من من هؤلاء الاربعة ، كامناً في معارفه ومطالعاته. يكفي أن نذكر أنهم عرّفونا بماركس وهيغل وفرويد وفيورباخ وجورج لوكاش ودستويفسكي وبرغسون ومئات الترجمات التي اصبحت جزءا من نسيج الثقافة العربية .

تلك كانت، مدرسة المعرفة ، روائع سامي الدروبي، ومساجلات الياس مرقص في الماركسية، وقذائف صادق جلال العظم نحو التزمت الديني. و فرويدية جورج طرابيشي التي شغلت الكتّاب العرب . الشباب الاربعة الذين جاءوا من اطراف دمشق ، والذين توقع البعض ان بيروت ستكون عصيّة عليهم ، ما أن حلوا فيها، حتى اصبحوا هم بريقها وصانعي حداثتها ، لكن هل ننسى ان في عصرهم كان هناك عشرات النجوم في الشعر والمسرح والرواية والنقد الادبي : ادونيس ، يوسف الخال ، السياب ،نجيب محفوظ ، توفيق الحكيم ،فؤاد التكرلي ، نجيب المانع ، محمد الماغوط ، عائدة مطرجي الياس ، خالدة سعيد ، نازك الملائكة ، عبد الرحمن بدوي ، فؤاد زكريا ، سعد الله ونوس ، الجميع يحلمون ويعملون من اجل عالم ضاج بالمعرفة والحداثة ، و بمعلقات من الشعر الحديث الذي نسج السياب اولى خيوطه الحريرية .

كانوا جزءاً من زمن جميل مضى ، أشرق مع مطرالسياب ، كما أشرقت مجلة "شعر" وندماؤها ، مثلما حلّق طرابيشي في تقديم تصور جديد لفرويدية القرن العشرين ، ومن كتابات ريجيس دوبرية الى هموم سيمون دي بوفوار ، كان فيها طرابيشي مثل دون كيشوت، يخلط الترجمة بسحر التأليف، يمضي طرابيشي عمره ينقل الى العربية ثقافات العالم ، لم يترك جديدا إلا وقدمه في طبق شهي لقراء لغة الضاد . وفي محطاتة الست التي كانت آخر ما قدمه لنا يفدم بوضوح : "إن سوريا، المتعددة الأديان والطوائف والإثنيات، تقف اليوم على أبواب جحيم الحرب الأهلية ما لم يبادر النظام إلى إصلاح نفسه بإلغاء نفسه بنفسه. فبغير هذا الإلغاء لا سبيل آخر إلى إصلاح سلمي يصون البلاد من الدمار. ولكن بدلاً من ذلك امتنع النظام حتى عن الوفاء بالوعود في الإصلاح التي كان لوّح بها. ولكن لأعترف أيضاً بأن إصراري يومئذ على قدر من التفاؤل، من خلال مطالبة النظام بإلغاء نفسه تفادياً لحرب أهلية طائفية مدمرة، كان في غير محله إذ ما كنت أعي في حينه، أي في الأسابيع الأولى لاندلاع الانتفاضة السورية ، دور العامل الخارجي إعلاماً وتمويلاً وتسليحاً، وهو الدور الذي يدفع اليوم الشعب السوري بجميع طوائفه ثمنه دماً وموتاً ودماراً غير مسبوق إلا هولاكياً، وهذا في ظروف إقليمية وأممية تشهد احتداماً في الصراع الطائفي السنّي/الشيعي ينذر بأن يكون تكراراً للصراع الطائفي الكاثوليكي/البروتستانتي البالغ الشراسة الذي كانت شهدته أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. يبقى أن أختم فأقول إن شللي عن الكتابة، أنا الذي لم أفعل شيئاً آخر في حياتي سوى أن أكتب، هو بمثابة موت. ولكنه يبقى على كل حال موتاً صغيراً على هامش ما قد يكونه الموت الكبير الذي هو موت الوطن."

يموت طرابيشي فيما وطنه سوريا يغلق الابواب على زمن جميل أصبح من الماضي.

*نقلاً عن صحيفة "المدى"