"البئر"... جزائري خائن وفرنسي متسامح

نشر في: آخر تحديث:

تُوّج فيلم "البئر" للمخرج الجزائري لطفي بوشوشي بـ"الخنجر الذهبي" وهي الجائزة الكبرى لأفضل فيلم روائي طويل في مهرجان مسقط السينمائي الدولي التاسع في سلطنة عمان.

وتدور أحداث الفيلم عام 1960 في قرية جزائرية نائية محاصرة من طرف جنود الاستعمار الفرنسي الذين يمنعون الماء عن أهلها وأغلبهم من الشيوخ والنسوة والأطفال .

وبعيداً عن الأعمال السينمائية التي تعالج الثورة التحريرية الجزائرية ومواجهتها للمستعمر الفرنسي ينفرد "البئر" في إظهار نوع من الكفاح والصمود لواقع جزائري معاش إبّان الاستعمار وتصديه للظلم والقهر الذي تعرض إليه الجزائريون بأقسى أساليب الاستعمار همجية التي كان فيه سلاح الماء أشد وسيلة لتعذيبهم مقابل البوح بمكان تواجد جنود وضباط فرنسيين تم اختطافهم من طرف المقاتلين الجزائريين.

ويُصوب الزناد الفرنسي على أرواح كل من يريد ترك القرية بحثاً عن الماء، وعلى مدى 90 دقيقة يرصد هذا العمل المعاناة والصراع النفسي للأهالي للبوح للفرنسيين بمكان تواجد المقاتلين الجزائريين والجنود الفرنسيين الذين تم رمي جثتهم في بئر القرية. وتستمر المعاناة أمام استمرار الحصار ونفاذ الماء لدى الأسر وموت الماشية وظهور علامات جفاف على أجساد الصغار .

من جهته، ينجح المخرج في إظهار شراسة أساليب المستعمر الفرنسي حين يستغل الأطفال لتقصي أسرار القرية، وحين يبرز همجية تعذيب مقاتل جزائري تنكر في زيّ امرأة غير أن هذا العمل السينمائي يبعث برسائل صعبة التقبل فهو يبرز بشكل جلي إنسانية المستعمر الفرنسي وتسامحه ورأفته أحياناً كثيرة في وقت يُظهر فيه وفي مرات عديدة خيانة الشعب الجزائري لبعضه البعض. وتظهر هذه العلامات جلياً في مشهد فرار المقاتل الجزائري المتنكر بزي امرأة حين يمد له الضابط الفرنسي اليد لإنقاذه من الموت بينما لا يفعل ذلك الجزائري العميل الذي كان يسير مع الكتيبة الفرنسية.

وينتهي الفيلم حين تقرر نساء القرية الخروج فإما الموت أو الحياة وينجح المخرج مجدداً في بعث رسائله حين يُصوب زناد عدسة كاميراته لعشرات الضحايا من النساء ما عدا زوجة العميل الجزائري التي كانت تلبس لباساً أبيض رمز التسامح مثلاً.

قد يكون هذا العمل صعب التقبل كثيراً من طرف شريحة كبيرة من الجزائريين لأنه يظهر تسامح وإنسانية المستعمر الفرنسي ويكشف عدوانية وخيانة الشعب الجزائري لنفسه لربما قال الحقيقة أو جزءاً منها.

وبالنسبة للمخرج فإن "العمل بعيد كل البعد عما تناولته السينما الثورية في الجزائر".