عاجل

البث المباشر

الفيلسوف جورج الفار يتحدث عن حياته وأفكاره

قال إنه لأول مرة يشعر بالحرية من كل الالتزامات التي كانت تربطه

المصدر: العربية.نت – مريم الجابر

نظريته المحاورة للدين والفلسفة لا يفهمها الإنسان العادي، فجورج الفار أستاذ الفلسفة بالجامعة الأردنية، تحول من رجل ديني مسيحي ورجل لاهوت إلى رجل فكر وفلسفة، وتحدث عن المعاناة الحقيقية التي عاشها في سبيل تحرير عقله ونفسه من أغلال الكنيسة للانطلاق في عالم الفكر، على حد قوله.

قال الدكتور الفار لـ"العربية.نت" إنه "إذا ما تحاور كل من الفلسفة والدين معاً، فستتمكن الفلسفة من مساعدة #الدين للابتعاد عن الخرافة والتطرف، كما يستطيع الدين مساعدة الفلسفة في فهم الإنسان".

واعتبر الفار أن القانون الوحيد في الكون قانون "التغيير"، لأن حركة #الكون لا تتوقف أبداً. فكون الإنسان كائناً تاريخياً لا يعني أن الإنسان كائن "ماضوي" إنما هو ابن للتاريخ في لحظاته الثلاث، إما أن يتمسك الإنسان بلحظة واحدة من التاريخ هي الماضي ولا يريد أن يغادرها، فهذا هو الغباء بعينه.

أنهيت عملك كرجل دين لدى الكنيسة الكاثوليكية وتزوجت، هل أثر ذلك على حياتك؟ وعلى رؤية الناس لك كـ"كاهن"؟

يجب أن أصحح المعلومة هنا، لم أترك الكهنوت على إثر زواجي، ولم يكن #الزواج هو السبب الذي جعلني أترك الكهنوت، ما جعلني أترك الكهنوت وحياتي كرجل دين، هو قرار فكري عقلي مستقل، فالمواجهة كانت مواجهة بين فكرتين بين اللاهوت والفلسفة، وبين رجل يريد أن يكمل حياته كرجل دين أو بين رجل يريد أن يكمل حياته كمفكر وكفيلسوف، لذلك تركت #الكهنوت بناء على هذا القرار الفكري، لأني أردت أن أكون مفكراً وفيلسوفاً لا رجل دين أو لاهوتياً، وبعد تركي الكهنوت بسنة تقريباً قررت الزواج وعيش حياة عائلية مثل معظم البشر الآخرين.

أما حياتي الجديدة كأستاذ جامعي ومفكر وفيلسوف، فقد تغيرت كثيراً عما سبق في حياة الكهنوت. فلأول مرة أشعر بالحرية من كل الالتزامات الكنسية التي كانت تربطني، ولأول مرة عشت حياة عائلية مثل معظم البشر في سني.

ولكن الأهم من ذلك هو تحرر عقلي من الضيق ومن الرؤية الطائفية والدينية إلى #العالم والكون، لأصبح رجلاً يرى العالم بعيون جديدة مفتوحة هي عيون العقل والفكر، عيون الواقع الحياتي. كان عليّ أن أصارع في البداية لأثبت للناس ولِذاتي أني رجل محترم غيّر حياته ولكنه لم يغير مبادئه العقلية والإنسانية، فلم أبهر أو أتحرر لأعيش حياة متهتكة، بل عشت حياتي الجديدة بالتزام كامل نحو عملي وزوجتي وبيتي، ولم أقلل من احترامي لذاتي، وبدأ الناس يدركون شجاعتي في اتخاذ هذا القرار، ويقتربون أكثر من رجل الدين السابق الذي حافظ على التزامه في حياته الجديدة.

تحدثت بصراحة عن عالم الكنيسة المشرقية شبه المجهول لدينا، فماذا منحتك، وماذا أخذت منك؟

عالم الكنسية "العالم الديني"، هو عالم جميل وصوفي وميثولوجي إلى حد كبير، ولكنه عالم خانق وضيق يستهلك الإنسان، ويسجنه.

انتميت إلى الكنيسة الكاثوليكية وهي غربية وليست شرقية، إلا أني ولدت وعشت في المشرق وبجانب الكنيسة المشرقية إذا جاز التعبير.

أما عما أعطاني إياه هذا العالم، فقد أعطاني الكثير وأخذ مني الكثير على حد تعبيرك. أخذ مني صباي ومعظم سنوات شبابي وعمري أي ما يقارب 37 عاماً، أفنيتها في التحضير والعمل ورعاية الكنيسة وأبنائها وتعليمهم، في المقابل أعطاني فهماً عميقاً للحياة ووضعني على طرق #المعرفة والعلم وأدخلني إلى دهاليز عالم الدين والروح والصوفية. وجعلني أخدم الإنسان عن قرب وأعرف أدق أسراره وتفاصيل حياته، أعرف ضعفه وعظمته، قوته وخسته، جماله، وقبحه.

أخذ مني اسمي الصريح، وربما جزءاً من إنسانيتي، وعائلتي وأصدقائي وحياة طفولة ومراهقة وشباب طبيعية، ليستبدلها بحياة شكلية وبحياة أشبه بالملائكة منها بالإنسانية.

أعطاني معرفة باللغات والكتب المقدسة وبدهاليز المكتبات والمخطوطات القديمة. كما أني سافرت إلى العالم اكتشفه وأحاور إنسانه، وأزور بيوته وأختبره عن قرب.

لم يبخل في عطائه ولم أبخل في عطائي بالمقابل، ولكنني في لحظة أو في سن معينة قررت أن هذا العالم لم يعد يلائمني وينسجم مع عقلي فتركته.

"عودة الأنسنة في الفلسفة والآداب والسياسة"، هل بالفعل نستطيع إشراك الفكر العربي في المجهود الفكري الإنساني؟

"عودة الأنسنة" كتاب فلسفي، كتبته عن قناعة لأقول إن الإنسان عائد ليكون ذاتا فاعلة في التاريخ، ولا معنى للتاريخ بدون الاشتراك الفعلي والواعي للإنسان فيه، والأنسنة بالنسبة لي ما هي إلا #العقلانية المتوازنة التي تأخذ بكل جوانب العقل والوجدان والعاطفة الإنسانية بدلاً من عقل بارد يفكر ويخترع، بدون اهتمام بحاجات الإنسان الروحية، غير المادية فالإنسانية تسير بخطى واسعة لفهم ذاتها ولإحداث التوازن في داخلها.

ومن هذه النافذة وجدت أن الفكر العربي قادر على الاشتراك في المجهود الإنساني المعرفي، فهو فكر ما زال واعداً وشاباً ولم يتلوث كلياً بالرأسمالية والمادية البحتة، وما زال للروح وللأنسنة مساحة كافية فيه، لاحتضان إبداعه العقلي/الفكري والأدبي أيضاً، ليعالج مرض العصر المادي.

إذا نظرنا ملياً في عمق #الثقافة_العربية نرى أنها تبحث عن مساحة للروح فيها وتشتاق أن تلتحم بالثقافة الغربية، وكما قال عبد الله العروي، المفكر المغربي، إن العقل العربي يشتاق أن يلتحم بالعقل الغربي: لكن التقدم التكنولوجي والعلمي الذي حصل والذي سبقنا إليه الغرب، لن ينتظرنا لننهض ونحقق تقدمنا ونهضتنا، أما الفكر والأدب، فما زالا مكانين واسعين للأدب والفكر الآتي من أميركا الجنوبية، ويمكن أن يفتح ذراعيه للفكر وللأدب الآتي من العالم العربي إذا كان هذا الفكر والأدب إنسانيين ويخاطبا الإنسان العربي والإنسان العالمي ويعالجا هموم الإنسان المعاصر.

لك كتابات روائية، فهل مزجت الفلسفة بالعمل الأدبي؟ وهل تعاني من أزمة "نقد"؟

لي محاولة روائية تسمى "ابن الإنسان" وكتاب آخر يسمى "بهاء الأنثى رسائل إلى ابنتي المنتظرة" وكتاب ثالث "الخروج على القطيع" رؤى فلسفية ورابع "المقدس والسؤال الفلسفي" لكني لم أمزج الأدب بالفلسفة.

مع أني محب للأدب والفلسفة معاً، لكن مشروعي الفلسفي/الفكري هو مشروع "الأنسنة" ويمكن للفلسفة أن تحمله مرات عديدة ولا تتحمله في مرات قليلة، لذلك ألجأ إلى #الأدب والرواية والحوار لحمله، فالأدب يستطيع أن يقول ما لا تستطيعه الفلسفة، فالفلسفة التي تذهب إلى عمق الأسباب والظواهر تحمل ما لا يستطيع الأدب أن يحمله، ففي سبيل مشروعي أستعمل كل الوسائل التي أعرفها.

لم أفهم معنى سؤالك عن "أزمة النقد" وهل أعاني منها، أما جوابي فهو "نعم" أعاني من نقصان "النقد" ومن قلة الحوار والاهتمام بمشروعي الفلسفي. فالعالم العربي مشغول بهمومه السياسية والحياتية وحروبه الداخلية والطائفية، ويكاد الفكر والأدب والفلسفة لا يحظيان باهتمامه.

كما نعاني من أزمة نشر وتوزيع، فالكتاب الذي يولد في بلد عربي معين يبقى حبيس المحلية والقطرية، ولا يوزع في #العالم_العربي، قليل من المهتمين يخاطبونني من بعد طالبين كتبي التي لم تصل إليهم.

لا يزعجني جداً الموضوع، فأنا أكتب للجيل الحاضر وللأجيال المستقبلية، ولا بد أن يأتي يوماً تقرأ فيه كتبي وتوزع وتنقد ويتحاور حولها.

هل ترى أن جبران خليل جبران، فيلسوفاً، استطاع الدمج بين فكرة التقمص والحلولية؟

في البداية عليَّ أن أنوه إلى أن جبران خليل جبران هو أديب وشاعر ورسام ونحات وليس فيلسوفاً، مع أنه تأثر بأكثر من فكرة فلسفية، ووجدت في أدبه هنا وهناك شذرات فلسفية متنوعة ما بين الفكر المسيحي، والفكر الإسلامي #المتصوف والفكر الهندي والفكر الغربي أي الأوروبي والأميركي.

فكرة التقمص جاءته من الفكر الهندي الذي كان الأميركان يهتمون به في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فهل جمع جبران بين فكرتي التقمص والحلولية؟ الجواب بالنسبة لي "كلا"، بل آمن في لحظة من عمره بالتقمص أي أن الإنسان يعود إلى الحياة متقمصاً في جسم آخر أو عاش في حياة سابقة أشكالاً مختلفة من الحياة، ولذلك كان جبران يقول إنه عاش على هذه الأرض في سبع مرات بأشكال مختلفة.

أما الحلولية فهي أيضاً فكرة هندية أخرى تقول بحلولية الأرواح في أجسام مختلفة، وهذه الفكرة كانت أكثر عمقاً عند #جبران من الفكرة السابقة، بمعنى أنه رأى أن فيه روحاً حلت به (ربما روح يسوع المسيح) أو روح "نبي" – وكان يؤمن أن جسده ضعيف ليحمل هذه الروح السماوية، فتقمص جبران كان فكرة عابرة آمن بها، بينما الحلولية كانت أبعد أثراً وأكثر رسوخاً في أدبه.

عقلنة الدين وأنسنته وإزالة خلاف مع العلم، هل برأيك كفيلة بحل الصراع الفلسفي الديني؟

نعم، برأيي أن الخلاف ما بين الدين والعلم أكبر وأهم من الصراع ما بين الفلسفة والدين. فالعلم مادي الجذور والنتائج وله منهج التجريبي للوصول إلى الحقائق العلمية والبرهنة عليها، بينما ليس للدين أصول مادية ولا نتائج يمكن البرهنة عليها من خلال التجربة، لذلك فهو أبعد عن العلم من بعده عن الفلسفة. فالفلسفة والدين يشتركان معاً في حقول مختلفة منها الحقل الأخلاقي، وتفسير الوجود، ومعنى الحياة، على سبيل المثال. وتمتاز الفلسفة بمعالجة هذه الحقول (المواضيع) تفسيراً إنسانياً وعقلياً ومنطقياً، بينما يعالج الدين هذه المواضيع معالجة إيمانية وجدانية تسليمية.

فكلما اقترب الدين من العقلنة (العقلانية)، ووضع في سلم أولوياته "الإنسان" وخدمته، اقترب من الفلسفة أكثر فأكثر، ومن ثم خفف التنافس وأزيل سوء الفهم الحاصل بين الفلسفة والدين. ولا يمكن القضاء على الخلافات نهائياً، فالفلسفة تدعو إلى الشك والتعقل، والدين يدعو إلى الإيمان والتسليم، يمكن أن يزال سوء الفهم الحاصل بين الفلسفة والدين ويمكن تقاسم المهمات وإعطاء معنى عميق لحياة الإنسان.

ففي نهاية المطاف إذا تحاورت كل من الفلسفة والدين معاً. تستطيع الفلسفة مساعدة الدين للابتعاد عن الخرافة والتطرف، ويستطيع الدين مساعدة الفلسفة في فهم الإنسان.

ما السبب وراء إصدار كتابك "الفلسفة والوعي الديني" بهذا التوقيت، وهل للصراعات الطائفية الحاصلة اليوم دور في ذلك؟

خلف إصداري الكتاب سببان رئيسيان، الأول: أن الجامعة طلبت مني تدريس مساق يسمى "فلسفة الدين" لطلبة الماجستير والدكتوراه، وعندما ذهبت إلى #المكتبة لم أجد كثيراً من المراجع العربية التي يمكن الرجوع إليها في هذه المادة، ففكرت أن أساعد طلابي بأن أضع كتاباً في هذا الموضوع، ومن المعروف أني أحمل شهادة دكتوراه في اللاهوت وأخرى في الفلسفة، تؤهلاني للخوض وللكتابة في هذا الموضوع تحديداً.

والسبب الآخر موضوعي، وهو الصراعات الطائفية الحاصلة في #الوطن_العربي، فلست فيلسوفاً يعيش في برج عاجي إنما أنا مثقف ومفكر أنتمي إلى هذه الأرض وإلى هذه الأمة العربية والإسلامية، ورؤيتي للصراع الحاصل ولموت الناس بالآلاف بسبب ضيق الأفق والعقل، وبسبب الصراعات والمؤامرات الخارجية، جعلاني أضع مُؤلفاً يقول: "إن الوعي الديني بمساعدة الفلسفة كفيل بتجنب سوء الفهم وبتجنب الصراع والحرب. وأن العقل الديني بحاجة إلى أن يعي ذاته أولاً ووعي مجتمعه الإنساني ووعي للعلوم الأخرى ليستطيع الخروج من ضيق الأفق ومن سوء الفهم الحاصل. وأهم ما في الكتاب، فصل حول السرديات الدينية الكبرى، حيث أقارن كل سردية دينية بالسردية التي سبقتها لأثبت المشترك بينها، وأصول هذا المشترك ما بين الأديان المختلفة".

قلت "كون الإنسان كائناً تاريخياً لا يعني أن يبقى حبيس الماضي"، فهل أنت ضد المتمسكين بالماضي ويحاولون استرجاعه؟

يتكون التاريخ الإنساني من ثلاث لحظات: الماضي – الحاضر – والمستقبل، فالمستقبل والحاضر هما تاريخ أيضاً، أما الزمن فما هو إلا وحدة قياس للحركة المستمرة. فالقانون الوحيد في الكون قانون "التغيير"، لأن حركة الكون لا تتوقف أبداً. فكون الإنسان كائناً تاريخياً لا يعني أن الإنسان كائن "ماضوي" إنما هو ابن للتاريخ في لحظاته الثلاث، إما أن يتمسك الإنسان بلحظة واحدة من التاريخ هي الماضي ولا يريد أن يغادرها، فهذا هو الغباء بعينه، فلم يعد ذاك الإنسان تاريخياً إنما هو ماضوي شاء أم أبى، فالحركة والتغيير مستمران، لذا أنا ضد المتمسكين بالماضي لأنهم لا يعيشون لحظات التاريخ الثلاث، والتي لا يمكن استرجاعها، لأنها ماض انتهى، ولكنني لست ضد الاستفادة وفهم "درس التاريخ" بالعكس، لا أرى أن الإنسان يستطيع العيش دون جذوره ودون ماضيه، لكن في الوقت عينه من الجهل أن نبقى سجناء الماضي، فالحاضر والمستقبل هما اللذان يقرران حياتنا ومستقبلنا.

يقول أحد الفلاسفة اليونانيين إن المرء لا يستطيع أن ينزل إلى نفس مياه النهر مرتين، بمعنى أننا كلما حاولنا استرجاع الماضي كما هو تكون المياه في النهر قد تغيرت. أما قضية السلف "والسلف الصالح" فهي قضية تجميل الماضي والحنين إليه أكثر منها محاولة للاستفادة من التجربة والخبرة، فسنكون نحن يوماً ما سلفاً صالحاً لغيرنا، إذا أحسنا التعامل مع واقعنا.

ماذا يعني لك البحث عن الحقيقة؟

البحث عن الحقيقة يعني لي كل شيء، يعني البحث عن العلم والبحث عن الفلسفة والبحث عن معنى الحياة، والبحث عن السعادة، والبحث عن هدف الحياة، باختصار يعني لي #الحياة.

لأن #الحقيقة هدف أسمى لكل صاحب عقل منفتح وطامح ولكل صاحب عقل باحث يود أن يفهم ويدرك العالم والكون والمعنى قبل أن يموت.

الحقيقة قمة يسعى المتسلقون إليها، لأنهم يدركون أنهم عندما يصلون إلى هناك، تتفتح أمام ناظريهم عوالم جديدة ورائعة، لا يحدها شيء.

لا شيء يساوي الحقيقة، فإذا كان #العقل أعلى ملكات الإنسان فالحقيقة أعلى طموح يود العقل أن يصل إليه. ولا خير في عقل لم يبحث ولم يعرف الحقيقة، فسيبقى ناقصاً وغير مكتمل، بل سيبقى في شوق دائم إلى بلوغ الحقيقة.

فكما أن الحقيقة مطلقة بحد ذاتها فهناك حقائق نسبية نصل إليها وننظر إلى العالم والكون وأنفسنا من خلالها، وتبقى الحقيقة المطلقة هي وحدة القياس الذي يستطيع الإنسان أن يقيس عليه باقي الحقائق، كما أن الحقيقة المطلقة هي الموحدة لكل الحقائق الجزئية والمتفرقة التي تقاس وتقيم بدورها، من خلال اقترابها أو ابتعادها عن تلك الحقيقة.

الحقيقة نور العقل وسلاحه وموضع اهتمامه، فإذا لم يهتدِ إليها ظل الطريق، وأضاع حياته سدى بدون فائدة، الحقيقة هي الحق والخير والجمال مجتمعة في كيان واحد.


"كل علم حقيقي يحمل صبغة استشرافية للمستقبل" هل بإمكان الفيلسوف أن يتنبأ ما سيحصل؟ وكيف ترد على من يتهم الفلاسفة بالدجل؟

من الطبيعي أن يستشرف العلم المستقبل، فكل عالم "نبي" بالمعنى العلمي للكلمة فنأخذ #نيوتن مثلاً فقد مهد لمستقبل العلوم، وكذلك فعل آينشتاين وفرويد وغيرهم، فقد أسسوا ووضعوا واستشرفوا المستقبل.

أما عن الفلاسفة وإمكانية استشرافهم ما سيحصل، طبعاً يمكنهم فعل ذلك وقد فعلوا، فقد تنبأ كانط بسلام عالمي وبحكومة عالمية عليها أن تسود، وقد حققت عصبة الأمم وهيئة الأمم نبوءة كانط بعد موته بمئة عام.

وإذا نظرنا حولنا وإلى ما تعيشه منطقتنا العربية، فقد حذر كثير من الفلاسفة والمفكرين العرب تنبأوا بما سيحصل في العالم العربي قبل حدوثه، إلا أن أحدا لم يستمع أو يقرأ ما كتبوه. فقد كتب فرح أنطون قبل سنة على #العلمانية / علمانية الدولة وضرورة فصل الدين عن الدولة، وكتب طه حسين عن مستقبل الثقافة في مصر والوطن العربي، وكتب علي عبد الرزاق عن أسس الحكم في #الإسلام وهكذا.

أما من يتهم الفلاسفة والمفكرين بالدجل، فلينظر إلى #الحضارة العالمية وإلى منْ أنجز هذه الحضارة، من كان خلف هذا الفكر؟ ومن أين جاءت هذه الأفكار؟ لو لم تأتِ من الفلاسفة والمفكرين. ولينظر أيضاً إلى تاريخنا العربي والإسلامي، فعندما كانت الفلسفة والفكر والعقل في أوجها وفي قمتها وحريتها كانت الحضارة العربية الإسلامية في أوجها وقمتها، وعندما سقط العقل سقطت الأمة.


كيف يستطيع الإنسان التعامل مع الأيديولوجيات المغلقة؟

يجب ألا ننسى معنى "أيديولوجيا" أي مجموعة الأفكار، والأفكار عادة ما تكون مفتوحة، إلا إذا تحولت إلى ضحية مغلقة، وبما أن الواقع المادي هو المنتج للأفكار في ظرف تاريخي معين، فعندما يتغير الظرف تبقى الأفكار التي لم تتطور كما هي، هنا تصبح أيديولوجيا مغلقة دون تطور ودون زيادة أو مراجعة.

كل أيديولوجيا بحاجة إلى نقد دائم، وبحاجة إلى مراجعة من وقت إلى آخر، لئلا تتحول إلى صنم فالنقد كفيل بإبراز ما هو إيجابي وما هو سلبي في تلك الأفكار ومدى انطباقها على الواقع.

الابتعاد عن #الواقع هو الذي يجعل الأيديولوجيات مجرد مجموعة أفكار مغلقة لا تخاطب الزمان والمكان الذي تعيش فيه. فالعقل الجمعي الإنساني قادر دائماً على اختراع أفكار جديدة للتعامل مع الواقع المادي الذي يعيش فيه، لذا كان رفض الفكر الجديد والنقد المتجدد في عالم الأفكار هو تحجر وسجن للتفكير وإبقاؤه قاصراً وبعيداً عن واقع الحال.

فلا سلطة فوق سلطة العقل، وما يحاوله العقل هو تحرير ذاته، وكما يقول هيجل: "فإن التاريخ ما هو إلا تاريخ العقل الذي حاول الوصول إلى حريته".

قيل إن القرن العشرين كان قرن الأيديولوجيات الكبرى التي انتهت إلى ما يشبه التشتت والتجزؤ، وإنكار واستنكار للأيديولوجيات الشمولية. علينا أن نتروى في إصدار الأحكام القطعية ففي قلب تلك الأيديولوجيات ما زال هناك فكر صالح وأفكار قابلة للتطور.

في كتاب "عارياً أمام الحقيقة"، ذكرت أموراً كثيرة من حياتك، هل بالإمكان تلخيص هذه السيرة بأبرز محطاتها؟

كان كتاب "عارياً أمام الحقيقة" نوعا من الحوارية الفكرية التي رصدت فيها حركة تحولي من رجل دين #مسيحي ورجل لاهوت إلى رجل فكر وفلسفة، وتحدثت فيه عن المعاناة الحقيقية التي عشتها في سبيل تحرير عقلي ونفسي من أغلال الكنيسة للانطلاق في عالم الفكر.

وهذه كانت أبرز محطات حياتي على الإطلاق. فعادة ما يتحول المرء من الفلسفة إلى اللاهوت، إنما حدث معي العكس لأكتشف آفاق العقل الإنساني وإلى أين سيقودني.

دخلت سلك الكهنوت طفلاً أو صبياً صغير السن، وبعد 12 سنة من التحضير أصبحت كاهناً وعملت مدة 25 سنة في هذا السلك، وحصلت على درجة الدكتوراه في اللاهوت من جامعات روما، وكنت مقتنعاً ومؤمناً بما تعلمته، فكيف لطفل صغير أن لا يوجه توجيهاً معيناً؟ فقد كنت أظن نفسي حراً، إلى أن اختبرت الحرية الحقيقية وهي حرية العقل، حينها قررت تحرير هذا العقل وانطلقت في عالم الإنسان، فاضطررت إلى خلع الثوب والخروج من "الكهنوت"، بعدها بمدة تزوجت ورزقت بطفلة، والتحقت بالتعليم الجامعي/ الفلسفي. في عالمي الجديد، انطلقت وحلّقت ووضعت أكثر من عشرة مؤلفات في الفلسفة والأدب والتربية، ونشرت الكثير من الأبحاث في مجالات علمية، وكنتُ ناشطاً في المجتمع المدني من خلال رابطة الكتاب والجمعية الفلسفية الأردنية والاشتراك في المؤتمرات الفلسفية ونشر الأبحاث العلمية.

إعلانات