رقم قياسي لمصري أنجز 43 ألف صفحة للعربية فمن هو؟

نشر في: آخر تحديث:

لولا #عبد_السلام_هارون وآخرون من الصنف ذاته، لكانت جملة من أهم #كتب_التراث_العربي_اللغوي والنحوي والأدبي، عرضة للضياع والإهمال وربما الفقد، أو أقله لكانت نصوصها نسخاً بين التصحيف أو التشويه أو التزيّد، فلا يعتمد عليها ولا يعتدّ بها، ولا تقرأ كنص ثابت وأكيد، وبالتالي، ضياع تراث عربي نفخر به الآن، ونرجع إليه، مسلحين بيقين أن ما نقرأه، هو ما كان عليه منذ قرون، وقت تأليفه.

قدّم المصري العلاّمة والملقّب بـ" #شيخ_المحققين " الدكتور عبد السلام هارون، للغة العربية، ما عجزت عنه جامعات ومؤسسات، في الواقع. فقد حقق عشرات الكتب التي لو لم تصل إلى يديه، لكانت في مهب الريح، تشويهاً وتزيداً وتصحيفاً، أو ربما غياباً في المجاهيل.

وعندما نال جائزة الملك فيصل العالمية، عام 1981، تقديراً لجهوده في صالح اللغة العربية، كان حدثاً مبهراً بكل المقاييس، خصوصاً في التوقيت، لطالما كانت المنطقة العربية تشهد، وقتذاك، حرب إيران على الجمهورية العراقية، وكذلك الحرب الأهلية اللبنانية ومقدمات الاجتياح الإسرائيلي، ومجريات القمع الدموي الذي واجه به نظام حافظ الأسد معارضيه، والذي أدى لمقتل وجرح الآلاف.

في هذا التوقيت من العالم العربي، تقدّم العلاّمة، شيخ المحققين، عبد السلام هارون، لاستلام جائزته، في المملكة العربية السعودية، وكان من التواضع والدّعة والزهد أن قال في كلمته التي ألقاها، إنه كان سعيداً لمجرّد ترشيحه لنيل هذه الجائزة، ليقنع ويرضى، فكيف إذا أعلن فوزه فيها؟

وقال هارون في كلمته التي تلت إعلان فوزه بالجائزة، عبارة لن تمحى من سجلات التاريخ لما فيها من حض على قيم العلم والمعرفة التي تتجاوز مفهوم الهوية: "العِلمُ لا يعرف التعصّب، والمعرفة لا تعرف الانتماء".

بأول كتبه كان طفلاً بعمر الـ 16 عاماً!

ولد شيخ المحققين، عبد السلام محمد هارون، في الإسكندرية عام 1908، ولم يكن نزوعه إلى الأدب والتراث واللغة، منفصلاً عن بيئته التي جاء منها، بل كان لأسرته التي انحدر منها، الدور الأساس في نزوعه إلى اللغة والتحقيق والتأليف. فهو من بيت كلّ أهله مؤلّفون، من جدّه إلى أبيه، إلى شقيقه. حسب ما قال في حوار صحافي.

وبرز نبوغ هارون في التحقيق، منذ حداثة سنّه، على الرغم مما يتطلبه التحقيق من أدوات وخبرات، من أجل الفحص والمقارنة. إلا أن أول كتاب حقِّق بين يدي الشيخ ونشر باسمه، وكان لا يزال طالباً صغيراً في الأزهر وعمره لم يتجاوز الـ 16 عاماً، هو كتاب "متن الغاية والتقريب" للقاضي أحمد بن الحسين الأصفهاني.

وتدرّج هارون في سلّم التعلّم، منذ حفظه القرآن الكريم، ثم التحاقه بالأزهر، ثم دراسته بمدرسة دار العلوم، وصولاً إلى كلية دار العلوم العليا التي تخرج منها عام 1932 قبل أن يمارس التدريس في كلية الآداب في جامعة الإسكندرية.

ويشير الموقع الرسمي لجائزة الملك فيصل العالمية، والذي نشر سيرة ذاتية مختصرة ومكثّفة عن شيخ المحققين، وطالعه "العربية.نت"، إلى أن هارون بعدما أصبح رئيساً لقسم الدراسات النحوية في جامعة الإسكندرية، ساهم في إنشاء جامعة دولة الكويت، ووضع منهاج قسم اللغة العربية فيها. فضلاً عن أنه عمل رئيساً لقسم اللغة العربية في الجامعة ذاتها، لأكثر من عشر سنوات.

سيبويه والجاحظ وابن فارس وابن دريد جزءٌ مما قدّمه للعربية

ولمع نجم الشيخ حتى اختير عضواً بمجمع اللغة العربية، في القاهرة، بعد إنجازاته التي لا تعد ولا تحصى، في إحياء التراث اللغوي العربي، إذ كان قد حقق في تلك الآونة بعض أهم كتب التراث العربي، من مثل "خزانة الأدب" الذي كان بدأ بإنجاز أجزائه الأولى منذ عام 1927.

وكذلك كان هارون قد أنجز تحقيقه لمؤلفات الجاحظ، في خمسينيات القرن الماضي، ككتاب "الحيوان" و"البيان والتبيين" ورسائل الجاحظ.

وقدّم هارون للعربية، تحقيق كتاب "معجم مقاييس اللغة" للغوي الشهير ابن فارس، وهو كتاب يتلازم الاطلاع عليه والتبحّر فيه، مع المعاجم والقواميس، نظراً إلى اشتغال هذا الكتاب على المادة الحروفية للكلمة العربية في أصولها. فدائماً يقول ابن فارس في شرحه لأي كلمة، عدد حروفها وموضحاً أصل هذه الحروف، فإما يقول إنها "أصل واحد" أو "أصلان" أو "ثلاثة أصول" في الدلالة. وهو كتاب غاية في الأهمية في الألسنية العربية.

وبما لا يقل حجماً عن "مقاييس اللغة" ركب هارون البحرَ، وهو تعبير يقال لكل من قرأ كتاب سيبويه، صاحب أول كتاب في النحو العربي. إلا أن هارون لم يقرأ كتاب سيبويه، وحسب، بل أنتجه نصاً محققاً وقدمه لقراء العربية وأهلها في أبهى حلة، من أربعة أجزاء.

وكتاب "الاشتقاق" لابن دريد، خرج من بين يدي هارون محققاً، هو الآخر، وهو كتاب الكتب في اشتقاق الأسماء، فضلا عن قيمته المعيارية لما يمت بصلة إلى عالم التأليف العربي، إذ ينطوي على جملة من المعاني والمعلومات، في بابه، خصوصاً أن المؤلف كتب كتابه هذا، دفاعاً عن العرب وعن العربية، حصراً، وكما يقول ابن دريد نفسه في متنه.

وأنجز هارون، تحقيق كتاب "الأوطان والبلدان" لأبي عثمان عمرو بن بحر، و"شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي، و"آمالي" الزجاجي. وكان من المساهمين بإخراج كتاب "تهذيب اللغة" للأزهري، محققاً، والذي يعده العارفون والنقاد والمصنفون بأنه واحد من أهم الكتب اللغوية العربية. وكذلك كتاب "شرح القصائد السبع الطوال" لابن الأنباري، وأحد مجلدات كتاب "الأغاني" للأصفهاني.

أما كتاب "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم، فقد خرج محققاً على يد هارون، هو وكتاب "وقعة صفين" لنصر بن مزاحم، و"تهذيب سيرة ابن هشام" كمصنفات تاريخية. إنما الغالب في تحقيقات هذا الشيخ الكبير، هو كتب اللغة وآدابها، من مثل مساهمته وبالاشتراك مع أحمد عبد الغفور عطار بتحقيق كتاب "تهذيب الصحاح" للزنجاني، وتمت طباعة "المعجم الوسيط" بإشرافه أيضاً. وكتاب "أسماء جبال تهامة وسكانها وما فيها من القرى"، وكتاب "تهذيب إحياء علوم الدين" للغزالي.

وحقق للعربية كتاب "مجالس ثعلب"، وكتاب "الأصمعيات" و"المفضليات" وكتاب "إصلاح المنطق" لابن السكيت، بالاشتراك مع أحمد محمد شاكر. بالإضافة إلى كتب ومصنفات عربية كثيرة، أضاف عليها مؤلفات شخصية له، ساهمت بترسيخ دوره الذي لا يزاحمه فيه أحد، في إحياء تراث اللغة العربية، من مثل كتابه "تحقيق النصوص ونشرها" الذي كتَبَه لإيضاح فن التحقيق وأصوله والصعوبات الجمة التي تعترض طريق المحقق الباحث الأمين.

وكذلك ألف هارون كتاب "الأساليب الإنشائية في النحو العربي" و"حول تحقيق التراث" و"التراث العربي" و"تحقيقات وتنبيهات في معجم لسان العرب" و"قواعد الإملاء". بالإضافة إلى كتب عديدة أخرى، من مثل "بحوث في اللغة والأدب" و"قطوف أدبية" و"معجم شواهد العربية".

121 كتاباً و43 ألف صفحة!

يأتي كل هذا الإنجاز، والشيخ على رأس عمله لا يفارقه في التدريس الجامعي العالي، وفي الإشراف على أطروحات الدراسات العليا والدكتوراه، لعشرات من الأكاديميين. إلى جانب مشاركته الدائمة في المؤتمرات والملتقيات ذات الصلة بشؤون العربية وتاريخ آدابها، وكذلك كتابته المقالات الأدبية والنقدية، للصحف.

باختصار، كان هذا الرجل، مؤسسة تحقيق وتأليف، تمشي على قدمين، وما قدّمه للعربية لا يمكن إحصاء أثره، لضخامته ولامتداده في الزمن. فقد قارب عدد الصفحات التي خرجت من بين يديه تحقيقاً وتأليفاً، الخمسين ألف صفحة. وهو أمرٌ حدا به للقول، في حوار صحافي لمجلة "الفيصل" السعودية، إن ما أنجزه "رقم قياسي فريد لم يتح لمؤلف معاصر عربي أو غربي". وهو أقل ما يقال في ما أنجزه هذا الشيخ، لصالح علوم العربية، والذي بلغ حتى لحظة الحوار معه عام 1980، 114 كتاباً، بين التحقيق والتأليف!

وكان قد قال في الحوار المشار إليه ونشرت مقاطع منه على موقع "منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العنكبوتية" في موضوع بعنوان "شيخ المحققين عبد السلام محمد هارون"، إن إنتاجه العلمي بلغ 42771 صفحةً، وذلك عام 1980، أي قبل وفاته بثمانية أعوام، وما أنجزه في تلك السنوات التي تلت تصريحه بعدد الصفحات التي أنجزها، ولا شك، أدخل إنجازه العلمي، بما يتجاوز هذا الرقم، لأن عدد كتبه الفعلي وصل إلى 121 كتاباً، حسب ما ورد على غلاف آخر كتبه المعروف بـ"قطوف أدبية" الذي نشر على غلافه بأنه كتابه الـ 121 وآخر كتبه.

ورحل شيخ المحققين سنة 1988، تاركاً خلفه هذا الأثر الريادي العالي الذي يجعل من قارئ تراث العربية، حكماً، متصلا به ومتعرفاً إليه، في أي طريق سلكه. لأن ما أنجزه من كتب محققة وما تركه من مؤلفات، سيؤدي بالضرورة، إلى أن تقع عينا الباحث أو القارئ على اسم عبد السلام هارون، إما في كتاب حققه، أو مجلّد ضبطه، أو مؤلّف أخرجه لدنيا اللغة العربية، فأعاد شبابها، وزاد في ألقها، فهي ممتنة إليه، بقرائها ومحبيها وأهلها، مقرة بفضله الذي قرن اسمه بكتب التراث العربي اللغوي، كما لو أنهما أصبحا اثنين في واحد.