عاجل

البث المباشر

ثانيةً يرحل الجرجاني.. وفاة اللغوي العراقي أحمد مطلوب

المصدر: العربية.نت – عهد فاضل

ترك نبأ رحيل اللغوي والبلاغي العراقي، أحمد مطلوب الناصري، حالة واسعة من الحزن والأسى، ضربت الأوساط الأكاديمية اللغوية، سواء العراقية منها أو العربية، نظراً لما يمثله الناصري من قيمة علمية بارزة قل مثيلها في عالم التحقيق والبحث والتصنيف الأكاديمي رفيع المستوى.

وأعلنت وفاة الناصري، السبت، عن 82 عاماً، ونعاه الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وهيئة علماء المسلمين العراقية، فضلاً عن عشرات البرقيات والأخبار التي نقلت جوانب مختلفة من حياة هذا الرجل الذي قيل لحظة إعلان وفاته: "ثانيةً يغادرنا عبد القاهر الجرجاني!".

الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز آل سعود مصافحاً الناصري لحظة تسليمه جائزته
ابن تكريت الذي تعلّم في بغداد والقاهرة وعلَّم في ألمانيا والكويت والجزائر

العلاّمة الناصري، هو ابن تكريت التابعة لمحافظة صلاح الدين، والتي ولد فيها عام 1936، فأتمّ فيها، المرحلتين: الابتدائية والمتوسطة، مع الإشارة إلى أنه تلقى جانباً من تعليمه الأساسي في مدارس كربلاء والكرخ، إلا أن العاصمة بغداد كانت بانتظار تلك الموهبة الأكاديمية الفذّة، فمنحته جامعتها إجازة البكالوريوس في اللغة العربية، عام 1956، ومثلها فعلت جامعة القاهرة التي حصّل فيها درجة الماجستير عام 1961، ثم الدكتوراه في البلاغة والنقد، عام 1963.

عاد الناصري إلى جامعته الأم، بغداد، ودرّس فيها، بصفته معيداً ثم مساعد أستاذ، ثم أستاذاً عام 1972، وكذلك فعل في جامعة الكويت، وجامعة وهران الجزائرية، وجامعة مارتن لوثر الألمانية، ومعهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة، وأصبح عميداً لكلية الآداب في جامعة بغداد، منذ عام 1984، وبعدها بسنتين أصبح أميناً عاما لما يحبّه ويرضيه ويشبع شغفه العلمي البالغ، لدى تعيينه أميناً عاماً للهيئة العليا للعناية باللغة العربية في العراق، حتى عام 2003.

في مكتبه

واختير الناصري رئيساً للمجمع العلمي العراقي، عام 2007، فضلا عن كونه عضواً في مجمع اللغة العربية في الأردن، ومجمع اللغة العربية في دمشق، وفضلا عن مهامه المختلفة التي تنكّبها في العمل الوظيفي والأدبي كرئاسته تحرير عدة صحف أدبية وفكرية محكّمة.

وتقلّد العلاّمة العراقي، مناصب عدة في بلاده، كان أبرزها اختياره وزيراً للثقافة والإرشاد، عام 1967.

وتكاد لا تحصى الجوائز التي نالها أو شهادات التكريم، ولعل أبرز تكريم ناله كان بمنحه جائزة الملك فيصل العالمية، عام 2008، تقديراً لجهوده "المتميزة في خدمة المصطلح العربي" تبعاً لنص البيان الذي أصدرته الجائزة التي نالها مناصفة مع التونسي محمد رشاد حمزاوي، والذي منح الجائزة، أيضاً، لجهوده في المصطلح العربي.

وقد أحصت جائزة الملك فيصل العالمية، أكثر من خمسين كتاباً للناصري، ما بين تأليف في البلاغة والنقد والمعاجم والمصطلحات البلاغية، أو تحقيق في كتب التراث وبيان القرآن الكريم، وعشرات البحوث العلمية.

معجم مصطلحات النقد العربي القديم
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها

ومن أشهر مؤلفات الناصري الراحل، كتاب "أساليب بلاغية، الفصاحة البلاغة المعاني"، كتاب "الأرقام العربية" و مشاركته بتحقيق كتاب "البرهان في إعجاز القرآن"، وكتاب "البحث البلاغي عند العرب" و"عبد القاهر الجرجاني بلاغة ونقد" و "معجم مصطلحات النقد العربي" و"معجم المصطلحات البلاغية وتطورها" وهو كتاب من أهم كتب ضبط المصطلح العربي في العصر الحديث، فضلا عن عشرات الكتب والبحوث الأخرى.

ثانيةً يغادرنا عبد القاهر الجرجاني!

ونقلت مصادر صحافية عراقية مختلفة، في نعيها البلاغي الراحل، عبارة جاء فيها: "ثانيةً يغادرنا عبد القاهر الجرجاني". والجرجاني المتوفى سنة 471 للهجرة، هو واحد من أدق اللغويين في استخدام المصطلح العربي، حسب الأصول البلاغية المحْكمة، ويصفه الدكتور الراحل أحمد مطلوب الناصري، بـ"العبقري الفذ" ويرى كتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" بأنهما "عمدة البلاغيين"، وذلك في كتابه الذي اندرج في أمهات اللغة العربية منذ لحظة صدوره، وهو "معجم المصطلحات البلاغية وتطورها" الذي صدر عام 1981، والذي كان أحد أسباب اشتهار العلامة الراحل الذي أصبح بكتابه، هذا، واحداً من أرفع علماء اللغة العربية، في العصر الحديث.

نص البيان

علاقة الناصري بالجرجاني، تتجلى في غالبية مؤلفات العلامة العراقي الراحل، إلا أن العروة الوثقى التي ربطت أحمد بعبد القاهر، تجلت بعمل الدكتور الناصري على ضبط المصطلح العربي البلاغي، منذ لحظات تدويناته الأولى في التراث، حتى لحظة إنجاز مؤلفه الضخم "معجم المصطلحات البلاغية.." الذي ضم ألفاً ومائة مصطلحٍ في البلاغة العربية، أخذت من سنيّ عمر الناصري الراحل أكثر من 10 سنوات بحثاً وتدقيقاً وجمعاً.

اتحاد أدباء وكتاب العراق ينعاه

ولهذا لم يجد من نعاه، أفضل من عبارة "ثانيةً يغادرنا عبد القاهر الجرجاني" للإشارة إلى مكانته العلمية الكبيرة، وهي المكانة التي شغلها من وصفه بالعبقرية الفذة، وفي أن كتابيه الشهيرين هما عمدة البلاغيين، ليكون رحيل الناصري، إعادة تذكير برحيل الجرجاني، إنما بفارق نوعي تمثّل بأن "الجرجاني الثاني"، أضاف "معجم المصطلحات البلاغية وتطورها"، ليقف على الرفّ ذاته، مع "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز"!

إعلانات