عاجل

خليفة الخرافي

<p>كاتب كويتي</p>

كاتب كويتي

الحج في سالف العصر والزمان

«وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» (آل عمران: 97)

«الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة فقط. تبدأ مناسك الحج في شهر ذي الحجة بأن يقوم الحاج بالإحرام من مواقيت الحج المحددة، ثم التوجه إلى مكة لعمل طواف القدوم، ثم التوجه إلى منى لقضاء يوم التروية، ثم التوجه إلى عرفة لقضاء يوم عرفة، بعد ذلك يرمي الحاج جمرة العقبة الكبرى، ويعود الحاج إلى مكة لعمل طواف الإفاضة، ثم يعود إلى منى لقضاء أيام التشريق، ويعود الحاج مرة أخرى إلى مكة لعمل طواف الوداع ومغادرة الأماكن المقدسة».
قال تعالى «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» (الحج: 27).

كان السفر للحج في سالف العصر والزمان فيه مشقة ما بعدها مشقة، لندرة المياه في طريق القوافل في الصحراء والتعرض لبرد شتاء الصحراء القارس او اشعة الشمس الحارقة في الصيف ومواجهة العواصف الرملية الشديدة. ولقد كان فيه جهد وتعب وعدم راحة وعدم أمان بسبب كثرة قطاع الطرق لسرقة الحاج مهددين حياته وحلاله.
لهذا حرص الحكام والولاة منذ أيام حكم الخلفاء الراشدين، رضوان الله عليهم، وبعدهم خلفاء بني أمية وبني العباس والسلاجقة والفاطميون والعثمانيون على تأمين طرق الحجاج بالحماية، فالحجاج الذين نووا الحج من مدن الشام (دمشق وحلب وبيروت وعمان) وتركيا واليمن وايران والمغرب العربي يتعرضون لمشاق كثيرة في طريقهم للحج.
فريضة الحج من الفرائض العظيمة عند المسلمين، ولها في نفوسهم مكانة سامية، ولطالما حظيت هذه الفريضة باهتمام خاص واستعداد معين تختلف تفاصيله منذ عصر الاسلام الأول، أي قبل 1400 عام، مرورا بالعصور المتعاقبة. وأبرز ما كان يشغل الحكام والخلفاء في العصر القديم والحديث أمن الحجيج، حيث كانت رحلة الحج قديما محفوفة بالمخاطر والمهالك، فقوافل الحجاج كانت تتحرك على شكل مجموعات يحرسها عدد كبير من الجنود، وكان المحمل المصري والمحمل الشامي والعراقي يصحبها عدد من العسكر والجنود لحمايتها من قطّاع الطرق خلال الطريق إلى الحج.
كانت شبه الجزيرة العربية قبل توحيدها على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمه الله) عبارة عن إمارات ومشيخات متنافرة تسودها الفوضى وعدم الاستقرار، ولسوء اوضاعهم المعيشية وصعوبة الحياة في الصحراء والجوع كان يُعد الغزو ونهب من يمر بالقرب من مضاربهم امراً مألوفاً لدى بعض شيوخ القبائل، فلا يأمن الناس فيها على أموالهم وأنفسهم لكثرة السلب والنهب والسرقة وقطع الطريق، وكان أعظم المتضررين من فقدان الأمن في شبه الجزيرة العربية هم حجاج بيت الله الحرام؛ فقد كانوا عرضة لقطّاع الطرق وغارات القبائل التي تمر قوافلهم بمضاربها، وكتُب التاريخ سجلت حوادث بشعة تعرض لها الحجاج، حتى ان بعض قوافل الحجيج كان يتم سلبها بالكامل وقتل جميع حجاجها، فشتان بين حج اليوم وحج الأمس، فقبل أكثر من 100 عام كان طريق الحج محفوفا بالمخاطر، فإن سلم الحاج من خطر الحيوانات المفترسة من ذئاب وضباع الصحراء والكوارث الطبيعية، لم يسلم من قطّاع الطرق؛ فقد ينجو وقد يهلك. واليوم أكثر من 2.5 مليون حاج يفدون إلى مكة، برا وبحرا وجوا، بأمن وأمان وراحة واطمئنان.
وذكرت المصادر التاريخية أن قوافل الحجاج عليها حراسات مشددة، في مقدمة القافلة ومؤخرتها، ولها طرق محددة تسلكها، وأيضا جدول زمني محدد، فعند مرور القافلة بأراضي قبيلة معينة يكون هنالك تحصيل رسوم تسمى الإتاوة نظير الحماية من قطّاع الطرق، كما أن هنالك اتفاقيات ومعاهدات أبرمتها بعض القبائل بينها وتضمن المعاملة بالمثل.
الحجاج قديما كانوا يفدون إلى مكة عبر 4 طرق برية، وطريق بحري واحد عبر البحر الأحمر، والطرق البرية منذ زمن طويل تحدد من العواصم، فمثلا بغداد عاصمة الخلافة العباسية، أو من دمشق عاصمة الخلافة الأموية، أو اليمن، أو القاهرة عاصمة الدولة الفاطمية.
فالطريق الشامي يمر بعدد من المحطات حتى المدينة المنورة، والطريق اليماني له 3 طرق فرعية: طريق ساحلي يخرج من عدن، وطريق الجادة السلطانية ويمر بحلي ثم يلتقي بالطريق الساحلي، والطريق الثالث من صنعاء ويمر بصعدة ونجران والطائف ثم مكة.
والسفر عبر هذه الطرق محفوف بالمخاطر من سيول وأمطار، والاغلب شح المياه، وكان الأمن والأمان مفقودين بسبب قطاع الطرق، ولا يحميهم إلا دفع إتاوات متعارف عليها في حينه لزعماء القبائل نظير السماح لهم بالمرور عبر ديارهم، وتتمثل في دفع مبالغ نقدية لأمير القبيلة أو شيخها.
كان السفر إلى مكة للحج فيه من المشقة والعناء الشيء الكثير، وكان أقرباء الحاج وأصدقاؤه يودعونه عند نيته الحج وداع الفراق، وذلك من شدة العناء الذي يتجشمه الحاج في رحلة تستغرق أشهرا، ذهابا وإيابا، يقطعونها بين الفيافي والقفار مشيا على الأقدام، ولا يركب الإبل وغيرها إلا الأغنياء، وهم قلة، والغالبية يحملون أمتعتهم على ظهورهم ويمشون على أقدامهم، ومن هم أحسن حالا يجتمعون 10 أشخاص تقريبا ويستأجرون جملا يحمل أمتعتهم فقط.
نوى تاجرنا البحار بوحسين الحج، وتذكر كيف كانت حجته في العام السابق بفضل من الله وخيره ونعمه، وما قامت به حكومة المملكة العربية السعودية بتوجيهات واشراف ومتابعة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ولم يبخل لا في بذل الاموال الطائلة ولا الوقت ولا الجهد من أجل تنظيم وترتيب وتوسعة الحرم المكي وبقية الاماكن التي تتم فيها مناسك الحج لتكفي العدد المهول من الحجيج (بلغ ثلاثة ملايين حاج) على حيز محدود جداً من الارض مع تعدد المناسك واماكنها وتنقل مئات الالوف من الحجيج في الوقت نفسه، فسهّلت هذه المشاريع والمجهودات على الحجيج فجزى الله المملكة وحكومتها وشعبها وملكها خير الجزاء.
وقارن تاجرنا البحار بوحسين بين حجته العام السابق في حملة حج (V.V.I.P)، حيث سكن في جناح يطل على الكعبة شرفها الله في فندق. وكيف اسكنوه في خيمة في منى وعرفات له ولأهل بيته فقط، فيها خدماتها من - اجلّكم الله - حمام لقضاء الحاجة وهناك من يخدمهم ويرعاهم ويشرف على راحتهم ويقدم لهم ما لذ وطاب من اكل وشرب.
تمكن تاجرنا البحار من قضاء الوقت في قراءة الادعية والقرآن الكريم.
ودعا الله القبول. «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (الجامع الصغير عن أبي هريرة).
وقارن تاجرنا البحار بين حجته المرفهة مخدوما محشوما وحين حج مع والدته رحمها الله على قوافل الجمال وكانت تعباً وشقاءً، وكان الاستعداد للحج قديما على ظهور الجمال يبدأ بعد انتهاء عيد الفطر المبارك، واحياناً قبله، حيث يجهز الراغبون في الحج قافلة تشمل الجمال والإبل ومأكلهم ومشربهم، وحتى أكفانهم. وكانت الرحلة تستغرق ثلاثة أشهر، والطريق كان وعرا ومحفوفا بالمخاطر وقطاع الطرق، وكان من يقود الحملة يحسب شهرا للذهاب وشهرا آخر للإياب، وشهرا يتم قضاؤه في الأقطار الحجازية المقدسة، ويأخذ الحجاج معهم المؤونة والماء بكميات بسيطة. وخلال رحلة الذهاب وأثناء مرورهم على مدن في بلاد نجد يتزودون بالمياه من الآبار في طريقهم.
والنساء كن يركبن الهودج «الكواجة»، وهو عبارة عن حُجيرة صغيرة تُصَنَع من خشب خفيف الوزن وتوضع على ظهر الذلول (الجمل) أو المطية، وتوضع فوق السرج وتكون مغطاة بغطاء مزركش مع وجود شال صوفي أحمر لامع. وتستطيع المرأة أن تجلس في الهودج مع طفلها بأمان. يتقدم حملة الحج دليل نجدي او من ابناء بادية نجد، وهو خبير في الطرق الصحراوية واماكن تواجد آبار المياه، كما يحدد المسافات من مدينة إلى أخرى، وهو من يحدد للحملة أوقات الراحة ويقسمها إلى مراحل كل مرحلة مسافتها ٤٥كلم واستكمال المسير بعدها.
وحين يدخلون الأراضي السعودية سائرين في الليل وحاديهم يحدو بأهازيج الحج العطرة ويرددون «التلبية»: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك، يا له من نداء عذب ندي يشق الظلام فيؤنس القلوب من وحشتها ويخلص الأفئدة من رهبتها!
وكان الحجاج الكويتيون يزورون المدينة المنورة أولا ومع اقتراب موسم الحج يذهبون إلى مكة، بينما الحجاج من باقي الأقطار العربية يزورون مكة أولا وبعد ذلك يذهبون إلى المدينة المنورة.
وتذكر تاجرنا البحار حين عزم الحج مع والدته رحمها الله، كان الحجاج الكويتيون يتجمعون حتى يقترب موعد الانطلاق في مكان قريب من منزل صاحب الحملة، أو قد يكون خارج سور الكويت في منطقة الشامية في الغالب، ثم ينطلقون الى الصليبخات وهي المحطة الثانية التي يمرون بها، ثم آبار عشيرج وبعد ذلك إلى قرية الجهراء لأخذ استراحة فيها وإرواء الابل من آبار السليل، ومن الجهراء هناك طريقان، طريق من الجهراء الى البصرة والطريق الثاني يبدأ من الجهراء باتجاه الرقعي وبعدها منطقة حفر الباطن، وهو طريق حجاج الابل وطريق القوافل النجدية، وكانت قوافل الحجيج تتجه إلى بريدة، وتقوم باستئجار او شراء إبل جديدة عوضاً عن الابل المُنهكة لاستكمال الرحلة، ثم تنطلق حملات الحج إلى مكة أو الى المدينة تسير وفق دروب ومسالك معروفة لدى حملات الحج القديمة، وهذه الطرق تعرف بالطرق البرية للحجاج الكويتيين، ورغم المشقة وطول الطريق فإن الكويتيين حريصون على أداء فريضة الحج.
وأيضاً كان هناك بعض الحجاج الكويتيين يؤدون هذه الفريضة بواسطة السفن الشراعية، وأقدم تاريخ لحجاج البحر حصل عليه هو سنة 1270هـ – 1853م، وفي هذه السنة حج والد الشيخ محمد الصالح الابراهيم وهو صغير عن طريق البحر، وكان معه شاهين الغانم وعيسى القناعي، ومحمد سالم أل سديراوي وزوجته منيرة جاسم الحميضي. وفي عام 1906 حج الشيخ عبد الله خلف قاضي الكويت المشهور، ووثق حجته بقصيدة طويلة، وقد كان سفره الى الحج بواسطة الابل براً لكن عودته كانت عن طريق البحر بواسطة السفن الشراعية، وقد يفضل بعض الكويتيين البحر على البر في أداء الحج، وذلك لفقدان الأمن في الجزيرة العربية قبل توحيدها على يد عبد العزيز آل سعود وأشاع الأمن والأمان.
كان الحج عن طريق البحر فيبحر البوم من الكويت ولاخذ حجاج من ميناء أبي شهر ثم البحرين وقطر ودبي وبندر عباس ومسقط وكراتشي، ومدة الرحلة الى بومبي عشرة أيام ثم الاقامة أكثر من أسبوع بانتظار السفن المغادرة الى ميناء جدة، والتي تمر بطريقها بعمان ثم المكلا وعدن وبربرة في الساحل الافريقي، وأخيراً تصل الى جدة.. وتستغرق هذه الرحلة عشرة أيام.
وتذكر تاجرنا البحار حين حج على القوافل كان هناك رجل يحج مع الحملة يسمى «البشير»، يجهز نفسه للعودة مسرعاً قبل وصول الحملة الى الكويت بأيام مجهداً نفسه وراحلته ليزف البشرى لأهل الكويت باقتراب وصول اهاليهم من الحجاج، ويطمئنهم على سلامتهم فرداً فرداً، ويحدد موعد وصولهم الى الكويت، وحينما يطوف على البيوت والفرجان يبادر الأهالي باعطائه ثيابا ونقودا هدية البشارة الطيبة، ثم يخرج الكويتيون إلى ما بعد السور لاستقبال حجاج بيت الله الحرام واقامة العزائم والولائم بمناسبة أدائهم الحج وعودتهم سالمين إلى أرض الوطن، وكانوا يضعون بيرقاً (علما احمر أو ابيض أو اخضر على اسطح منازل الحجاج).
وكانوا يرددون أناشيد مثل:
سلام سلام .. سلام عليكم
فردوا السلام
على بئر زمزم نصبنا الخيام
وتحت الخيام رجال كرام
وفيهم غلام جميل اللثام
...... واسمه محمد عليه السلام
وهنا حمد الله تاجرنا البحار انه اليوم بإمكان من يرغب في العمرة أن يطير بطيارة تقلع من مطار الكويت في الصباح ويعتمر ويمتع ناظريه بمشاهدة الكعبة شرفها الله ويعود إلى بيته في اليوم نفسه بطيارة تقلع من مطار جدة مع وقت غروب الشمس، نحمد الله كثيراً على نعمه علينا.
لتزامن موسم الحج آثرت تأجيل تكملة مقالة أسد الجزيرة الشيخ مبارك الصباح لما بعد مقالات الحج في الزمن الماضي.
* * *

* نقلا عن "القبس" الكويتية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات