الرجاء اختيار اللغة:

X
عاجل

محمد بن علي الهرفي

<p>كاتب - صحيفة عكاظ</p>

كاتب - صحيفة عكاظ

الحج: رمز وحدة المسلمين

نعرف أن الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، ولا يتم إيمان المسلم إلا إذا حج ما دام قادرا على ذلك مع زوال كل الأسباب التي تحول بينه وبين الحج.
في كتاب الله ــ عز وجل ــ وفي سورة الحج يقول الله ــ سبحانه وتعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير)، وقد اتفق كثير من المفسرين على أن قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم) تعني المنافع الاقتصادية والثقافية وغيرها من المنافع الأخرى التي قد يستفيد منها الحجاج أثناء سفرهم ووجودهم في مكة المكرمة.
هناك دراسات متعددة أكدت أن القيمة الاقتصادية للحج تبلغ حوالي ثلاثين مليار دولار، وهذه تمثل حوالي 8% من الناتج المحلي للاقتصاد السعودي، ما يعكس الأهمية الاقتصادية الكبيرة للحج، وكذلك الأنشطة المتعلقة به، ففي موسم الحج الذي قد يمتد إلى شهرين عند بعض الحجاج تنشط حركة البيع والشراء، كما تنشط حركة الفندقة بكل أنواعها، إذ تمتلئ فنادق وشقق مكة والمدينة، وقد يمتد الأمر إلى الطائف وجدة في بعض الأحيان، ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ تنشط حركة المواصلات العامة والخاصة، فالطائرات لا تكاد تتوقف، ومثلها الحافلات التي تنقل المسافرين بين المشاعر، وكذلك بينها وبين المطار، وكل ذلك ينشط الحركة الاقتصادية ويسهم في رفع المستوى المعيشي لسكان المنطقة الغربية من بلادنا، وبالإضافة إلى كل ذلك تنشط حركة الاتصالات في بلادنا، إلى جانب الزيادة الكبيرة في بيع وشراء الأضاحي، ومن ثم الاستفادة من لحومها داخل وخارج بلادنا.
الحركة التجارية في الحج يستفيد منها آلاف الشباب في بلادنا في الحصول على أعمال مناسبة وبعائد جيد قد يكفيهم سنة كاملة، وكل ذلك من محاسن الحج التي قد لا يلحظها كثيرون.
ولا تقتصر منافع الحج الاقتصادية على ما أشرت إليه، فهناك فرص أخرى يمكننا الاستفادة منها في هذا الموسم، وهي فرص الفوائد الثقافية، فمن المعروف أن من بين الحجاج علماء ومفكرين مختصين في كثير من العلوم التي يحتاجها العالم الإسلامي وتحتاجها بلادنا أيضا، ووجود هؤلاء فرصة للاستفادة من خبراتهم المتعددة، ومن ذلك عقد ندوات متنوعة الموضوعات، ولكن ذات علاقة بالحج ومنافعه، فمثلا: نلاحظ أن معظم البضائع التي تباع للحجاج مصنوعة في بلاد أجنبية، فلماذا لا نبحث عن الوسائل التي تمكننا من صنعها في بلادنا لكي تكون أكثر قبولا من الحجاج الذين يريدون تذكارا مصنوعا في بلادنا وليس في الصين أو اندونيسيا مثلا؟!! وأيضا من الممكن والمهم عقد ندوات تبحث معوقات الاقتصاد بشكل عام، مثل: الربا والرشوة والغلاء والإسراف والإهمال في العمل وما شابه ذلك من المعوقات الأخرى التي تضر بالاقتصاد، ونحن في حاجة إلى تغييرها أو تحسينها..
الجانب الأكثر أهمية ــ في اعتقادي ــ هو تكريس معنى الوحدة بين المسلمين، والتي تتمثل في الحج بصورة كبيرة، والتي يجب إبراز أهمية أن نرى آثار هذه الوحدة في حياة المسلمين وعلاقة بعضهم بالبعض الآخر ــ دولا وأفرادا ــ بعد الحج، وفي سائر حياتهم بكل تفاصيلها، وهذا هو الجانب العملي في الحج، ولا سيما ونحن نلحظ مدى التفرق والشقاق بين كثير من المسلمين ودولهم، وهذا بطبيعة الحال يضعفهم جميعا ويجعلهم لقمة سائغة لأعدائهم.
هناك ما يمكن عمله أيام الحج لزرع مفهوم الوحدة وأهميتها، وهناك ما يمكن عمله بعد الحج من أجل الموضوع نفسه، ولأن بلادنا هي قبلة المسلمين، فإن على الجهات ذات الاختصاص بذل كل الجهد من أجل تحقيق ذلك الهدف السامي، ويمكن الاستعانة بكل من يؤمن بهذه الفكرة من المسلمين وهم كثر فيما أعتقد، ولا أظن أن أحدا لا يدرك أهمية تحقيق مفهوم وحدة المسلمين وإبرازها بصورة عملية فاعلة، ولا أظن أن أحدا لا يدرك أهمية الزمان والمكان في إخراج هذه الفكرة إلى حيز الوجود. الحج فرصة لتحقيق كثير من المكاسب لبلادنا ولبلاد المسلمين بشكل عام، ومن المهم عدم إضاعة هذه الفرصة وإدراك أن المسلمين عامة في أمس الحاجة لها في ظل ما نراه من انقسامات فكرية ومذهبية وسياسية عنيفة تكاد تعصف بعالمنا الإسلامي كله!!
وأخيرا، ومع أن الحج ركن من أركان الإسلام، ومع أن هناك حثا على الإكثار منه، إلا أن هناك ما قد يحول بين المسلم وبين تكرار الحج، فيصبح في مثل هذه الحالة عدم حج التطوع أفضل من الحج، ومثال ذلك أن يؤدي الحج إلى كوارث بسبب كثرة الحجاج، كما هو عليه الحال هذه الأيام بسبب الإصلاحات الكبيرة التي تقوم بها الدولة في الحرم المكي الشريف خدمة لضيوف بيت الله الحرام.
تقبل الله حج جميع الحجاج، والشكر والأجر لكل من سهل لهم سبيل حجهم، ودائما بلادنا بخير وكل بلاد المسلمين.

نقلا عن صحيفة "عكاظ"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات