الرجاء اختيار اللغة:

X
عاجل

محمد الدحيم

كاتب سعودي

كاتب سعودي

الحج ليس مجرد أحكام!

يأتي الحج كل عام بظروف جديدة، يتغير الجو، يتغير الأشخاص، يتغير العالم بقوانينه ونُظمه وآلياته وتقنياته. المهم أن الحج عالم بحد ذاته في بحر التغيرات. وأولاً وأخيراً، فهو شعيرة دينية على امتداد التاريح من حين بناء البيت (الكعبة) على يد الخليل إبراهيم، عليه وعلى أنبياء الله الصلاة والتسلم، وما زال الناس يحجون البيت الحرام على اختلاف الشرائع والمناهج «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً»، مهما اختلفت وتغيرت الظروف السياسية والأحوال الاجتماعية، وكذلك المذاهب الفقهية. وفي الإسلام، بدأ الحج مع خير الخلق نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وكان واقعاً مختلفاً في كل أبعادة، ثم بعد عصر الرسالة تشكلت المذاهب الفقهية، وتشكل لكل مذهب منسك، وداخل كل مذهب اجتهادات واجتهادات، لا أريد الحديث عن تاريخية هذا الموضوع، لكن لي مع ذلك وقفات، أولها: هل يصح أن نستصحب كل خلاف فقهي سواء كان منشأه سياسياً أم علمياً أو اجتماعياً؟ إن ما يمكن القول به وحكاية في مجالس التعليم أو مطولات الفقه لا يمكن أن يكون نسكاً يقدم للحجاج.

كما أن أي خلاف فقهي لا يترجح بالدليل يجب تجاوزه، لا سيما ونحن لدينا وصف دقيق لحجة النبي، صلى الله عليه وسلم، كما تثبته السنن الصحيحة. وبناء عليه تأتي الوقفة الثانية: ماذا لو تمت دراسة مجمَعية لأحكام الحج كمدونة بسيطة ومصورة أيضاً. وهذا المقترح وإن كان صدر مناسك فيها كم من الصور الثابتة والمتحركة، إلا أن ما أعنيه هو المحتوى الفقهي لأحكام الحج الذي يجب أن يتجاوز التمذهب إلى الحال النبوية من خلال حج النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر سيتيح للحاج السفر عبر الزمن إلى الحياة النبوية، ويعيش عبقها المشرق. وهذا ما يجعلني أطرح السؤال في الوقفة الثالثة: هل الحج كله أحكام فقهية؟ أليس الحج عمقاً روحياً بامتياز؟ وهذا ما تتحدث عنه آيات الحج وبناء البيت العتيق.

إن المعرفة النسكية للحج تتحول بالوعي الروحاني إلى إحساس، وما يلبث هذا الإحساس أن يتحول إلى حال بل أحوال من الشعور الوجودي الكبير.

الحج في الإسلام، كأحد أركانه الخمسة، يمتلئ بإثارات وإشارات ورمزيات روحانية في تاريخيته وتشريعاته الأحكامية وطقوسه التعبدية، وهو ما يجعل الحاج في حال السفر يغادر الزمان والمكان، أي أنه في وجود جديد وحال سمائية معراجية، تجاوزت المحدود إلى اللامحدود، وتجاوزت به المنتهي إلى اللامنتهي، ونقلته إلى حال ابتداء جديد، ففي البخاري ومسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، إنها لحظة الولادة يخرج بها من الظلمة إلى النور «وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ». إن الحاج حتى يكون روحانياً تتسامى ذاته من خلال استعدادات مفاهيمية وأخرى سلوكية باطنية وخارجية، فيدرك هذا الحاج أن أحكام الحج وشعائره تحمل رموزاً وإشارات تتجاوز مظهرية الفهم إلى عمق المعنى، فهو يعي ثلاثية النص القرآني «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ»، الله والناس والحج، وهو يجتاز كل الحجب ليقرأ «فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ»، فيقوم المقام الإبراهيمي، ويفهم معنى العبودية والطاعة، ويدرك معنى التضحية.ويشارك الأنبياء في بناء البيت العتيق والكعبة المشرفة بالطواف حولها، ليترجم بعضاً من معاني الحب الإلهي في جو من الأمن الداخلي «وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً»، وهكذا في قراءة نورانية مستمرة لآيات وأحاديث الحج.

كم هو جميل أن نضيف إلى فهم فتاوى الحج وأحكامه وعياً بمقاصده وغاياته، وشعوراً بأنواره وتجلياته، وقراءة لرموزه وإشاراته، ليعود الحاج متحللاً من إحرامه، ويبقى محرماً ببياض قلبه وسلامة نفسه وهدوء عقله ونُبل أخلاقه وصلاح أعماله، هذه المعاني التي يجب أن تمتزج بفتاوى المفتين وكلمات الواعظين، وعندها يكون الحج حجاً، تقبل الله من الحجاج حجهم.

نقلا عن صحيفة "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات