عاجل

يحدث في عرفة

لحج عرفة.. هكذا تعلمنا.. أدركنا معنى المكان وقيمته.. لعرفة حدود.. تجاوزها ممنوع.. في يوم عرفة.. يتوجه المسلمون.. اهتماما.. إلى هذه البقعة الطاهرة.. لكن ماذا يجري في عرفة؟!.. سؤال.. فجرته ذكرياتي في المكان.. تأتي الأسئلة.. مع شريط الماضي.. مقارنة بواقع الحاضر.. أتى الجواب.. ارتحت.. قناعة بالاستنتاج.

عرفت عرفة في آخر الستينات من القرن الماضي.. كنت كشافا أضع المنديل الأخضر حول رقبتي.. فخورا به.. حملونا من المدرسة إلى مكة.. وجدت نفسي مع مجموعة من كشافة المملكة في عرفة قبل يوم الوقفة بأيام.. مسحنا جميع سطح أرضها.. رسمنا الخرائط.. حددنا أسماء ومواقع المطوفين والمرافق المساندة.. وكان هناك فرق كشفية أخرى في منى تقوم بنفس الدور.

في يوم عرفة وجدنا أنفسنا الشابة بين الجموع.. نعمل لإرشاد الحجاج التائهين.. مكتنزين بطاقة النشاط والحماس والرؤية.. أيام لن أنساها.. كانت تلك السنة كافية لتأسيس أطناب الخبرة.. لمشاركات متعددة في السنوات التالية.. أصبحت من الخبراء.. ندرب الكشافة الجدد.. هكذا كشافة المملكة حتى اليوم.

الناس في عرفة حالة استثنائية.. اللون الأبيض شعارهم.. النشاط في عرفة مختلف عن أي نشاط آخر على وجه الأرض.. تتحول عرفة إلى موقع ومركز للدعاء والتلبية.. وترى الحجاج في حركة لها أبعاد.. يتنقلون مشيا على الأقدام.. كأنهم يبحثون عن شيء لا يرونه.. إنه في السماء.

يتوه البعض على أرض عرفة.. لا يعرف كيف يعود إلى خيمته.. مزروعة بالخيام المتشابهة.. هناك مراكز لإرشاد الحجاج التائهين.. يمضون إليها.. يتم فرزهم وفقا لمواقع المطوفين.. ثم يكلّف الكشافة بتوصيلهم.. وفق الخرائط التي تم إعدادها مسبقا.. في كل عام هناك خرائط جديدة.. كان ذلك في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.. بعد تخرجي من الجامعة توقفت عن مواصلة خدمة الحجيج إلا بالدعاء.

اليوم أفتخر بتلك اللحظات.. أفتخر بتلك الذكريات.. أفتخر بكوني سعوديا يقدم كل هذه التسهيلات لضيوف الرحمن.. أفتخر عندما أرى المشاريع العملاقة في جميع المشاعر لتسهيل حج حجاج بيت الله الحرام.. نعمة كبيرة نحمد الله عليها.. نحمد الله وقد مد بلدنا بالخير الكثير.. من هذا الخير الرجال المخلصون.. والقيادات الحكيمة.. يعملون بكل إخلاص لخدمة الحجاج.

تنافس حكامنا عبر تاريخهم على خدمة الحجاج.. وتلك حقيقة لا تغيب.. المؤسس الملك عبدالعزيز.. سعود.. فيصل.. خالد.. فهد.. رحمهم الله.. اليوم خادم الحرمين الملك عبدالله يواصل العطاء.. يسجل بطولات بناء مشاريع خدمة حجاج بيت الله.. ملوك سجلوا توسعات متتالية في الأماكن المقدسة.. لم نشهد لهم تماثيل منصوبة في الساحات والميادين.. لكن نشاهد ما حققوه للمسلمين في مكة المكرمة والمدينة المنورة.
في إحدى سنوات الحج شاهدت الملك فيصل يفتتح التجمع الكشفي الإسلامي.. كان لي فخر المشاركة في ذلك التجمع.. ما زلت أحتفظ بطابع يوثق لذلك التجمع الفريد.. رأيت الملك فيصل لأول مرة في حياتي.. كنت على مقربة من شخصه.. أمعنت النّظر في ملامحه.. تشبعت عيناي وارتوتا من رؤيته.. أصبح رحمه الله أحد ملامح ذكرياتي في الحج.

أعود إلى السؤال الذي طرحته في المقدمة.. ماذا يجري في عرفة؟!.. عندما أتذكر ذكرياتي في ربوع عرفة خلال تلك السنوات.. وعندما أعيد شريط الذكريات أجد قراءة جديدة مع كل إعادة.. وتتعدد القراءة وتأخذ أبعادا فلسفية.. خلال هذا الأسبوع أعدت شريط ذكرياتي إلى الواجهة.. وبدأت قراءة الأحداث والمشاهد التي عشتها خلال سني خدمتي للحجيج.

أستعرض مشاهد الحجيج.. أتوا من كل فج عميق.. بينهم قاسم مشترك واحد.. الكل سواسية لكنك ترى تباين السحنات واللغات والهامات.. ثم تعرف أن الجميع إخوة جمعتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.. يرددون نفس التكبير وباللغة العربية.. يفهمون البعد والمعنى.

سألت نفسي لماذا أتوا من كل فج عميق؟!.. نعرف أن الحج أحد أركان الإسلام الخمسة.. لمن استطاع إليه سبيلا.. وتتناقص ساعات نهار عرفة.. وتنتهي بمشاهد نفرة الحجيج إلى مزدلفة.. عندها أدركت إجابة السؤال: ماذا يفعل الحجاج في عرفة؟!

تدرك الإجابة مع رؤيتك الدموع المنهمرة رجاء وأملا.. تسمع الدعاء يصدر مع صوت البكاء خشية وتضرعا.. تدرك الإجابة والناس تنظر إلى السماء وتأمل.. تدرك وقتها وفي حينه أنهم أتوا إلى عرفة لغسل نفوسهم وجليها وتجديدها.. نعم أتوا لغسل نفوسهم من غبار الحياة ودنسها.. ولكل حاج قصة.. نعم دخلوا عرفة بحال ويخرجون منها بحال أخرى.. في عرفة يغسل الحاج نفسه بالدعاء والتكبير وليس بالماء.. هنئيا للحجاج.. وهنيئا لنا بخدمتهم.

*نقلا عن صحيفة اليوم السعودية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات