اعتذرت إسرائيل.. فكيف ستتصرف إيران؟

سمير صالحة

سمير صالحة

نشر في: آخر تحديث:

العودة إلى أرشيف «الشرق الأوسط» كان لا بد منها بعدما سجل الرئيس الأميركي باراك أوباما هدفه التاريخي في مرمانا، حيث تركنا وسط صدمة وارتباك عندما أوعز وبكل بساطة لحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاتصال برجب طيب أردوغان والاعتذار منه على مهاجمة أسطول الحرية في عرض المتوسط قبل 3 أعوام وإبلاغه استعداد تل أبيب لتنفيذ كل الشروط التركية.

أكثر من تحليل واستنتاج وصلنا إليه في أكثر من مقال في السنوات الثلاث الأخيرة حول أنه لا خيار آخر لإعادة العلاقات سوى بدخول أوباما مباشرة على الخط وأهمية «نفخة الروح الأوبامية» وأنها ستكون في القريب العاجل إذا ما كانت واشنطن مهتمة حقا بحماية علاقاتها مع الجانبين ومصالحها في المنطقة. أوباما خيب توقعاتنا طبعا ودفعنا للحديث عن اقتراب المواجهة التركية الإسرائيلية والتركية الأميركية بسبب التراجع المستمر في العلاقات كان آخر وجوهها تصريحات أردوغان حول الصهيونية ورد إسرائيل و«الدياسبورا الإسرائيلية» عليه وتوجهه إلى تل أبيب لتهنئة حكومة جديدة بقيادة نتنياهو أكثر يمينية وتشددا. لكن ما وصلنا إليه بعد هذا التحول في الموقف الأميركي هو أن مصلحة أميركا كانت تقتضي في السنوات الثلاث الأخيرة أن يكون هناك تباعد تركي إسرائيلي وأنه لو كانت واشنطن تريد غير ذلك لتحركت مستغلة أكثر من فرصة سانحة باتجاه إعادة العلاقات التركية الإسرائيلية إلى سابق عهدها.

المهم طبعا الآن - إلى جانب البحث عن أسباب التراجع والاعتذار الإسرائيلي - هو مطاردة التحول المفاجئ في الموقف الأميركي على هذا النحو؟ ما الذي تعد له واشنطن وما الذي ستطلبه من حليفيها الإسرائيلي والتركي؟

هل هي عادت إلى طبختها التي وضعها أوباما على نار هادئة تنتظر أن تستوي منذ 4 سنوات لتحرك الرماد تحتها بمعونة تركية إسرائيلية؟ هل هي تعد لعملية سلام حقيقي في المنطقة وعد بها أوباما في الفترة الأولى من حكمه ويريد أن يبدأ بها عهده الجديد بعدما حالت الظروف والتطورات الإقليمية دون تحقيق هدفه هذا؟ أم أن ارتدادات الربيع العربي و المخاطر والتهديدات التي تتخوف منها الإدارة الأميركية في أكثر من مكان هي التي أقلقتها ودفعتها لإنهاء هذه الخصومة بين أهم حليفين استراتيجيين لها في المنطقة؟ أم ربما هو النفوذ - المشروع الإيراني في المنطقة الذي تغاضت عنه وتساهلت معه في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبحرين، هو الذي بدأ يقلقها بعدما اكتشفت أنه جاهز لإشراك منافسين استراتيجيين لها في المنطقة مثل روسيا والصين والهند، وكانت نتيجته إعلان أوباما فجأة هذه المصالحة، لأنه يريد أن يرى الحليفين في خندق واحد كما قال؟ أم أن نتنياهو هو العقل المدبر لسيناريو الاعتذار والمصالحة، هذا يريد دفع السياستين الإسرائيلية والأميركية المتراجعة والمعزولة في المنطقة باتجاه القفز إلى الأمام عبر لعب ورقة الملف النووي الإسرائيلي بأسرع ما يمكن لقلب كل الحسابات والاحتمالات رأسا على عقب، وتكون المواجهة المباشرة مع إيران هي مكسر العصا والمفتاح الوحيد فيها لأكثر من أزمة وعقدة تعثر الخروج منها؟

كنا نرجح الحديث عن خيار بناء السلم الإقليمي من خلال توافق بين دول المنطقة والحوار عبر طاولة محادثات مباشرة أو غير مباشرة، لكن التهديدات والتحذيرات اليومية المتبادلة وعروض التسلح والكشف الدائم عن تطوير تكنولوجيات حربية إيرانية وإسرائيلية وتصريحات خامنئي الأخيرة حول محو تل أبيب من الخارطة يقلل من قيمة هذا الطرح الذي يواكبه تمسك طهران بورقة النظام السوري تلعبها لبنانيا وعراقيا وإسرائيليا.

أردوغان قال إن المصالحة التركية الإسرائيلية لها علاقة بالأزمة السورية. ولو سئل عن البعد الإيراني في عودة العلاقات بين أنقرة وتل أبيب لكان كرر كلامه المنتقد لسياسة إيران السورية التي لا تزيد فقط من تصلب النظام وتطيل عمره، بل ترسخ سياسات المحاور والاستقطاب في المنطقة. وهذا هو ربما أحد أهم أسباب قرار حكومة نتنياهو وإدارة أوباما الاتفاق على الاتصال بأنقرة حتى ولو كان الثمن هو الاعتذار الإسرائيلي الذي لن تقدم عليه إسرائيل بمثل هذه البساطة لو لم يكن يحمل لها كثيرا من الفوائد والإيجابيات.

أما التحجج بمواقف وأسلوب وتعنت ليبرمان وحزبه في أسباب تأخر الاعتذار، فهي ذريعة لن يقتنع بها أحد طالما أن الأخير هو أحد أهم شركاء نتنياهو في الحكومة الجديدة. هناك نقاش أميركي إسرائيلي وتركي طبعا أبعد وأهم من المصالحة وعودة العلاقات التركية الإسرائيلية إلى سابق عهدها، عواصف المعادلات الإقليمية التي تتقدم يوما بعد آخر - بعكس ما تشتهيه سفن هذه الدول الثلاث - هي التي دفعتها باتجاه قرار من هذا النوع تجاوز ليبرمان وحزبه ومواقفه.

إيران أيضا سترد على النقلة الجديدة، وبدائلها الكثيرة ما زالت موجودة لكن الخيار الوحيد الذي لن تقدم عليه على ما يبدو رغم كل الدعوات والانتقادات حتى من أقرب الحلفاء والشركاء وأهل البيت هو التخلي عن الرئيس الأسد ووقف تزويده بكل ما يحتاجه من دعم مادي وعسكري وسياسي لأن أحد أهم السيناريوهات قد يكون دفعه باتجاه تفجير جبهة الجولان، طالما أن خيار تحريك جبهة جنوب لبنان مرفوضة من قبل كثير من القوى السياسية والحزبية اللبنانية.
نقلا عن صحيفة " الشرق الأوسط " اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.