الكنيست الإيراني

سعود الريس

سعود الريس

نشر في: آخر تحديث:

لم يكن هناك حل ثالث، إما ضربة عسكرية خاطفة ضد المنشآت النووية الإيرانية وإما حل سياسي ينهي الأزمة، لكن أن يستمر الوضع على ما هو عليه لم يكن وارداً على الإطلاق، من بين تلك الحلول لم تكن الحرب خياراً مقبولاً لدى دول الخليج، طبعاً أن نتمنى شيئاً لا يعني بالضرورة أن نفعله، فالإطاحة بالتوجه النووي الإيراني كان مطلباً ملحاً بأي شكل وفي كل صورة، لكن طالما كانت هناك فرصة لحل سياسي يخرج المنطقة من نفق حروب ستأتي على مقدراتها، وتستغرق أعواماً طويلة لإعادة التأهيل فأهلاً ومرحباً بهذا الحل، ودول الخليج العربي هي من أوائل من دفع لهذا التوجه ومن أكبر الرابحين فيه، بطبيعة الحال أتحدث هنا وأنا أقرأ رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري وهو يقول: «الآن تولد السياسات من طهران» بعد اتفاق جنيف، وأقرأ لعضو مجلس شورى يندب حظه، ويخشى على أوقات نومه فيقول: «النوم سيجافي المنطقة بعد الاتفاق الإيراني»، وأقرأ لأحد رؤساء التحرير العرب «المطرود من صحيفته»، وهو يمجد، ويقول إن العرب نيام على مائدة اللئام، وأسمع عن محاضرة سيلقيها الأمين العام لجمعية الوفاق البحرينية المعارضة علي سلمان تتحدث عن التسويات الإقليمية، وتأثيرها في القضية البحرينية، وأسمع نواحاً لأصوات تتباكى على العرب، وأخرى تتباهى بالانتصار الإيراني، تُرى أي انتصار ذلك الذي سيجعل السياسات تولد من طهران، وجعلها تتغنى به مع إعلامها التضليلي؟ هل هو ذلك الاتفاق الذي كان أمام إيران منذ أعوام، وترفض الموافقة عليه، وتتكبد البلايين لبناء المفاعلات، وتفقد هي وعملتها قيمتها في السوق؟ أفبعد ما تدنى حال المواطن الإيراني واقتصاد بلاده يأتي من يقول إن هذا انتصار؟

حسناً، دعونا من الانتصارات وافتعالها، فهنا لا بد أن يدرك المتفائلون والمتشائمون أن قلب الطاولة في شكل نهائي أمر غير وارد، فالعناق بعد التوقيع على اتفاق مبدئي كان موجوداً على الطاولة منذ أعوام لا يعني بالضرورة الاعتراف الأميركي الكامل بالدور الإيراني أو بمشروعها أو بسياساتها، فهذا أمر ليس سهلاً، ولتكون هناك مصالح سياسية واستراتيجية مشتركة بين طهران وواشنطن، وأيضاً المجتمع الدولي لا بد من أن يكون هناك توازن في مختلف الأمور، وهذا أمر غير مطروح على المدى المنظور، أما الشامتون والطامحون والمتفائلون بتواطؤ أميركي - أيراني على دول الخليج العربي فهذا أمر غير وارد، ويحتاج إلى الكثير ليصبح طموحهم ملموساً.

هذا ما كان بالنسبة إلى الاتفاق، لكن دعونا نتساءل ماذا لو حققت أميركا طموحات البعض، ووجهت جل دعمها لإيران، وتغاضت عن سلاحها النووي المحتمل ودعمتها لتوسيع نفوذها، ترى ماذا سيحصل، وهل ستهيمن إيران على المنطقة، لأن أميركا وكل أوروبا تدعمها؟

سأجيب على هذا التساؤل، وسأتحدث عن إسرائيل، فهذه الدولة الصهيونية مزروعة في العالم العربي منذ أكثر من ٦٠ عاماً، ولديها سلاح نووي متطور، وأيضاً لديها دعم أميركي - أوروبي غير محدود، لكن ومع كل تلك الحظوة لم تمكنها من الهيمنة على العالم العربي، إذاً إلى أين ستصل إيران طالما «صديقتها» إسرائيل لم تفلح؟

كان لا بد من الإشارة إلى ذلك، وللتوضيح أكثر، سأشير لماذا إسرائيل فشلت على رغم الدعم غير المحدود الذي تتحصل عليه، هناك سبب واحد فاعل ورئيس ألا وهو الإجماع العربي على أن إسرائيل عدو، وبالتالي هذا الإجماع حتى وإن بدا هشاً في بعض جوانبه، إلا أنه ما زال يقف حاجزاً حتى اليوم أمام الطموح والهيمنة الإسرائيلية.

نأتي الآن لإيران وإشكال تصنيفها ما بين عدو أو صديق، فإيران دولة لا قدرة لها على التعاون مع أنظمة قائمة، لأن فلسفتها تعتمد على السلطوية والهيمنة، وهو ما يرفضه أي نظام حاكم، لذلك هي تتعامل مع جماعات تعمد إلى تشكيلها لتصبح في ما بعد أذرعاً لها، وهو تفكير دولة طوائف، ما يطرح سؤالاً مهماً، وهو كيف يمكن تحجيم الدور الإيراني وطموحاته وقص أذرعته؟

دول الخليج اليوم هي من يقود العالم العربي، وهذه الدول قادرة على تكوين قوة يصعب مواجهاتها لو «وضعوا عشرة خطوط تحت لو»، تمكنت من تفكير الرجل الواحد في الوضع الحالي للدول الست كتفكير ألف رجل، فكل منها يقر مواقفه بحسب مصلحته لا بحسب مصلحة المنطقة، وللتحدث بوضوح أكبر وشفافية تتطلبها المرحلة الحالية، فإن التباين في المواقف الخليجية، سينعكس كارثياً على المنطقة، فالخوف هنا على مجلس التعاون واستمراريته، فهذا المجلس لم يكن متماسكاً من قبل، ولنترك شعارات خليجنا واحد وشعبنا واحد التي نرددها، فشعار المرحلة يجب أن يكون «مصيرنا» واحد، ولا بد من وجود استراتيجية واحدة، ولا بد من وجود حد أدنى من التوافق، فإيران ومع نشوة انتصارها الذي تزعمه ستعمل بسياسة ناعمة، لاجتذاب الدول الخليجية الصغيرة والضعيفة، وهي بدأت فعلاً مع قطر، وهذه الأخيرة عليها الخروج من مأزق المناكفة، فإما أنها دولة تريد الخروج من الملة، وهذا غير وارد، وإما أن تقبل باستراتيجية موحدة مع الدول الخليجية الأخرى، فالدوحة ولمزيد من التفصيل ما زالت سياساتها كما هي، ذهب أمير وجاء آخر، لكن السياسة هي ذاتها معادية للمحيط الخليجي وغير مهتمة بمصالح دول الخليج، على رغم اعترافها أن مصالحها مع السعودية مشتركة، لكن هذا لا يمكن مشاهدته في سياساتها العليا، ولعل الذراع القطري الذي سعت إلى مده لمصر يضع أكثر من علامة استفهام، فكيف لدولة أن تختار تتبع الإخوان بأخطائهم، وتعادي شعباً ودولةً مثل مصر، فهل تستحق تلك الجماعة الهلامية كل ذلك، قد تستحق في ما لو أرادت قطر الخلافة الإسلامية، لكن بخلاف ذلك لا يوجد سبب مقنع لهذه السياسة، أما في الملف السوري فلقطر دور مشبوه، وهناك حديث عن وجود مد يد تجاه نظام بشار الأسد على اعتبار أن النظام باقٍ، وهذه بطبيعة الحال إحدى نتائج انفتاحها أخيراً على إيران، جميع تلك المؤشرات لا تطمئن المنطقة على ما ينتظرها من محن، لذلك المخرج الوحيد الذي يجدر العمل عليه الآن وضع استراتيجية موسعة تحافظ على هذا التكتل الخليجي، وتحل كل قضايا دولة وخلافاتها، لا أتحدث عن خلاف قطري - سعودي ولا كويتي - قطري ولا عماني - إماراتي ولا كويتي - سعودي، بل أتحدث عن الخلافات الأكثر عمقاً والأكثر فرقة، وهذه أيضاً لا يمكن أن تحل إذا تمسكنا بفكرة نحن الدولة الأكبر في المنطقة وتلك الأصغر، يجب أن يكون الفكر السائد هو أن مصلحتنا بيدنا، وينبغي أن نصافح بيد واحدة لا بست أيادٍ عندها، فلتدعم أميركا إيران وإسرائيل، وتأخذ معهم سورية ولبنان كجوائز ترضية، فبذهابهم لن تكون خسارتنا أكثر من خسارة دولة أو اثنتين أو ثلاث من المنظومة الخليجية، وحينها وأقصد لو كان الخليج كتلة واحدة فلن تكون إيران ولا إسرائيل بطاقتهم النووية قادرتين على تهديد المنطقة حتى لو اتحدتا، وأصبح المرشد بنيامين خامنئي ورئيس الوزراء آية الله نتنياهو.
نقلا عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.