ما لم يقله روحاني في دافوس

فيصل عباس

نشر في: آخر تحديث:

قلة هم الذين انتبهوا فعلا الى ما قاله الرئيس الايراني حسن روحاني عندما اعتلى المنبر في اللقاء السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

بثيابه الانيقة وعمامته، وابتسامته المشرقة، ولهجته الهادئة وكلماته المنتقاة بدقة، يمكنني ان اتفهم قدرة الرئيس روحاني على سحر المشاركين الاجانب، رغم انه لا يحتاج الى بذل جهود مضنية لاعطاء انطباع جيد كرئيس لايران عندما يكون خلفا لمحمود احمدي نجاد!

ولكن، رغم لباقته ولياقته، فإن وراء هذه الابتسامات والدعوات التي تثلج الصدر إلى بناء الجسور و"الالتزام البناء"، على المرء ان يصغي جيدا الى ما لم يقله روحاني حتى يفهم لماذا يستحق عن جدارة لقب "الذئب في لباس الحمل".

لقد نجح روحاني في التوصل الى اتفاق حول ملف ايران النووي مع الولايات المتحدة الامريكية في فترة سريعة نسبيا، وهذا يحسب له، اما في دافوس – حيث هدفه الاساسي اغراء المستثمرين لوضع ايران على خارطة استثمارتهم علهم يساعدون في انقاذ اقتصاد بلاده المنهار- فقد اكد ان طموحات ايران النووية لطالما كانت، وستبقى، سلمية الطابع.

من البديهي ان كثيرين لا يصدقون ذلك لكن دعونا نأخذ الامور بظواهرها.

ومن ناحية اخرى، فإن ما يثير القلق هو جواب روحاني على سؤال مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شواب حول ما تعتزم ايران القيام به "قريبا" لوقف الكارثة الانسانية في سوريا.

ببراعته المعهودة، فإن روحاني الذي ما زالت حكومته تدعم النظام الوحشي للاسد، قال انه يحزنه ان يرى سوريا تتخبط في كارثة كبيرة.

كلماته التي وصف بها اوضاع النازحين وكل المساعدات والدعم الذي تقدمه اليهم ايران كاد ان يدمع عيون الكثيرين.

لكن روحاني نسي أن يقول او تناسى، ان هؤلاء الملايين من النازحين السوريين اجبروا على مغادرة منازلهم وقراهم ومدنهم بسبب موقف ايران من الازمة السورية.

كما ان روحاني لم يعط اية اشارة عن نيته سحب وحدات الحرس الثوري الايراني (الذين ما زالوا يقاتلون الى جانب قوات الاسد ضد شعبه) بل انه حاول بدلا من ذلك تحميل الارهاب مسؤولية تردي الاوضاع في سوريا.

طبعا، الكل متفق على ان "داعش" جماعة ارهابية وإن سوريا والعالم بأسره سيكون في حال افضل من دونها ومن دون امثالها. (دعونا لا ننسى ان الجيش السوري الحر يحارب حاليا داعش كما يحارب قوات الاسد)، لكن دعونا لا ننخدع والا ندع روحاني يخدعنا!

اولا، وقبل اي امر آخر، داعش لا تمثل المعارضة السورية. ثانيا، ان نمو الارهاب في المشرق العربي لم يتسبب في مآسي الشعب السوري وانقسامه، بل انه كان بسبب هذا الانقسام.

لا اعرف اذا كان روحاني قد نسي او تناسى ان الثورة السورية انما بدأت كمعارضة سلمية، وان الرد الدموي للاسد، الذي تحكم عائلته سوريا منذ 43 عاما، اجبر المعارضة على حمل السلاح وترافق ذلك مع انشقاقات في جيش النظام.

وبمهارته المعهودة، انتقد روحاني "الدول التي تدعم الارهاب" – في اشارة الى عدد من دول مجلس التعاون الخليجي – محذرا اياها من ان تصبح هي نفسها الهدف التالي للارهاب.

مرة اخرى، يمكن القول ان روحاني على حق حيث انه لا يجوز دعم الجماعات الارهابية ومن الضروري الحذر من مكان ضربتها التالية.

لكن يا ليت الرئيس الايراني يعطي هذه النصيحة الى حكومته، ففي الواقع لقد اظهرت التقارير الاخيرة ان ايران دعمت القاعدة وداعش بهدف تعقيد الاوضاع في سوريا ومنع المعارضة من تحقيق الانتصار بسهولة.

فإنه مع مئات آلاف القتلى السوريين وملايين النازحين واللاجئين المشتتين في المنطقة، فإن على قادة الاعمال والمستثمرين الدوليين والشخصيات الفاعلة المجتمعة في المنتدى الاقتصادي العالمي، والذين يسعى روحاني الى ابهارهم في دافوس، ان يتذكروا انه ما لم يقم الرئيس الايراني بخطوات عملية لوضع حد للمعاناة في سوريا فإن يديه ستظلان غارقتين بالدماء.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.