"الممر الإيراني" نحو المتوسط يصطدم بالجدار التركي

نشر في: آخر تحديث:

عمليات تحرير الموصل من قبضة تنظيم داعش، خلقت سجالا جديدا بين تركيا وإيران قد يبدو غير مفهوم للوهلة الأولى، ولكنه في الحقيقة صراع على العمق الاستراتيجي في المناطق العربية.

ولا يبدو أن هذا الصراع سوف ينتهي في العراق، بل ربما يمتد إلى سوريا، بالنظر إلى ما تنوي طهران حصاده من الأزمات القائمة في المنطقة.

وتساءل كثيرون عن سبب التحذير الإيراني لتركيا من مغبة وجودها العسكري في العراق، والمشاركة في عملية استعادة الموصل. وجاء هذا على لسان المتحدث باسم الخارجية الإيراني الذي اعتبر استقرار القوات التركية في قاعدة بعشيقة شمال الموصل بأنه أمر "مستهجن وخطير".

وتكرر التحذير هذا على لسان أمين عام حزب الله اللبناني حليف النظام الإيراني حسن نصرالله أيضاً.

وبعد أيام من هذا التحذير، نقلت مصادر مطلعة على أجواء الصراعات حول الموصل أن إيران هددت في اتصالات مع مسؤولين عراقيين بالتدخل العسكري المباشر وتحويل قاعدة القيارة جنوب الموصل إلى قاعدة عسكرية، في حال أصرت تركيا على البقاء في بعشيقة كقاعدة دائمة لها، وأن المسؤولين الحكوميين في بغداد أبلغوا تركيا بحساسية الموقف الإيراني تجاه القضية.

عمق استراتيجي للمتوسط

في البداية كانت إيران وافقت على عدم دخول ميليشيات الحشد الشعبي الموالية لها معركة الموصل بشكل مباشر، بعد تحذيرات الكثير من منظمات حقوق الإنسان وبعض التكتلات والأحزاب السياسة.

ولكن لم يدم الوضع على حاله، وهاهي الآن ميليشيات الحشد الشعبي تتحرك نحو مدينة تلعفر غرب الموصل، التي يسكنها غالبية تركمانية وتعتبرها تركيا عمقاً استراتيجياً لها. وجاء هذا التحرك بعد إصرار أنقرة على بقاء قواتها في بعشيقة وقصف بعض مواقع داعش تمهيداً لاقتحامها من قبل قوات البيشمركة الكردية.

وربما يأتي هذا التحرك بسبب أن إيران شعرت بعرقلة تركيا لمخططها في المنطقة، المخطط الذي سعت لتنفيذه سنوات طويلة، وافتعلت أزمات من أجله، وهاهي الآن تحاول أن تجني ثمار الأزمة المشتعلة في العراق وسوريا.

ومنذ انتصار الثورة الإيرانية، تسعى طهران لوضع موطئ قدم لها في شواطئ البحر الأبيض المتوسط وتوسعة قدرة نفوذها وتدخلها في المنطقة، انطلاقا منه وكان تأسيس حزب الله اللبناني يقع في إطار هذا الهدف.

ولكن لسنوات، لم يكن الوصول إلى لبنان سهلاً لإيران، ففي فترة النظام العراقي السابق كان العراق أكبر حاجز بين إيران والمتوسط.

والحاجز الآخر كان النظام السوري، ورغم حلفه مع إيران لكن كانت لديه مصالحه الخاصة، ويمنع إيران من التحرك بحرية مطلقة - وهناك أمثلة عدة في هذا المجال - رغم أن سوريا كانت المعبر الأساس للأسلحة الإيرانية التي تصل إلى حزب الله اللبناني.

وكل هذه الأعوام، كانت إيران ترى أن فتح الطريق المباشر إلى المتوسط حلم بعيد المنال.

وبعد هجوم التحالف الدولي بقيادة أميركا وإسقاط نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، شعرت إيران بأن الحاجز الأكبر للمتوسط قد أزيح، ورأت الفرصة مناسبة للنفوذ في العراق وبسط السيطرة على أركانه رغم التواجد الأميركي.

فمولت طهران الميليشيات التي خاضت حرب شوارع ضد القوات الأميركية، وهي الميليشيات الشيعية، ومنها "عصائب أهل الحق" الشهيرة باستلام التمويل من إيران في قتالها ضد القوات الأميركية آنذاك، وهناك أنباء ومعلومات كثيرة حول تمويل ميليشيات متطرفة سنية أيضاً من قبل إيران في تلك الحرب.

إلى أن جاء القرار الأميركي للخروج من العراق عام 2011، ما جعل العراق مسرحاً للنظام الإيراني من خلال بعض الأحزاب الحاكمة والميليشيات الموالية.

ولكن الخطة لم تنته، فما زالت المناطق السنية في العراق بعيدة عن متناول إيران رغم كل ما كانت تقوم به حكومة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، فلم تكن هناك حجة لاقتراب الميليشيات الموالية لإيران من هذه المناطق.

ولعب داعش هنا لعبته التي أوجدت المبرر باحتلاله مساحة واسعة من العراق وإعلام خلافته المزعومة بشعاراته الطائفية، فاتحدت الميليشيات الموالية لطهران تحت اسم "الحشد الشعبي" وخاضت معركتها في المناطق السنية وجعلت لها مواقع فيها.

وفي سوريا أيضاً، وبعد أن خسر النظام كل شيء، بعد الثورة وبات قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة الكاملة، جاء التدخل الإيراني لإنقاذه، وما قامت به طهران جعلها الآمر الناهي في دمشق.

الممر لموطئ القدم

ونشرت صحيفة "ذي غارديان" البريطانية، تقريراً حول المناطق التي تنوي إيران جعلها ضمن ممرها للمتوسط نقلاً عن مصادر استخبارية.

وحسب التقرر، يبدأ الممر من نقاط الدخول التي استخدمتها إيران لإرسال الإمدادات والقوة البشرية إلى العراق على مدار الـ 12 عاماً الماضية.

ويمر الطريق ببعقوبة، عاصمة محافظة ديالى، حوالي 60 ميلاً إلى شمال بغداد. ويستمر الطريق على طول الطرق التي أمنتها ميليشيات "الحشد الشعبي"، بعد ذلك يتجه إلى الشمال الغربي إلى المناطق التي كان يحتلها داعش في الشهور الماضية.

وتُعد بلدة الشرقاط في محافظة صلاح الدين إحدى المناطق المهمة. استولت عليها الميليشيات مع القوات العراقية في 22 أيلول/سبتمبر لتمنح دفعة مهمة لطموحات إيران. وتوجد الميليشيات الآن بأعداد كبيرة في بلدة الشرقاط، وتتحرك الآن نحو الطرف الغربي من الموصل، والتي تقع جنوب شرق سنجار، وهي المحطة القادمة في الممر.

وبين قوات الميليشيات وسنجار تقع بلدة تلعفر والتي كانت موطناً تاريخياً لكل من التركمان السنة والشيعة.

وحسب الصحيفة البريطانية، قال أحد المسؤولين الكبار في الاستخبارات، إن المحطة بين تلعفر وسنجار ضرورية للخطة.

كما تعد سنجار موطناً تاريخياً للإيزيديين، الذين اضطروا إلى الفرار في آب/أغسطس 2014 بعد أن غزا داعش المدينة واستعادتها بعد ذلك القوات الكردية العراقية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2015.

ومنذ ذلك الحين اتخذتها قوات حزب العمال الكردستاني، من الجانب الآخر من الحدود السورية، مكانا للإقامة.

وتقول التقارير إن الحكومة العراقية تدفع لمقاتلي حزب العمال الكردستاني وأدرجتهم ضمن وحدات الحشد الشعبي، ويؤكد مسؤولون في المخابرات العراقية والغربية، أن مستشار الأمن القومي العراقي، فلاح فياض، وافق على هذه الخطوة.

وتعبتر تركيا أن الحزب العمل الكردستاني "حزب إرهابي"، وأكدت أنها لا تسمح بأن تصبح سنجار معقلاً لهذا الحزب الذي يخوض حرباً دامية ضد حكومة أنقرة منذ أكثر من ثلاثة عقود.

ويظهر شيخ قبيلة شمّر العراقي البارز، عبد الرحيم الشمري، بوصفه شخصية جوهرية في أقصى الشمال. لديه قاعدة نفوذ بالقرب من معبر ربيعة الواصل إلى سوريا، ويتلقى الدعم من وحدات الحشد الشعبي، وهو مقرب من نظام الأسد في دمشق.

وبعد هذه المناطق العراقية يستمر الممر إلى سوريا ويعبرها إلى غربها.

ولكن الآن وفي المرحلة الأولى لتأمين هذا الممر، يبدو أن تركيا تعرقل الطموح الإيراني، فكل التهديدات الإيرانية الأخيرة لأنقرة بشأن حضورها في العراق ومشاركتها في حرب الموصل، تأتي في هذا المجال، رغم أنه، على ما يبدو، فإن التحرك الإيراني هو الذي يقوض النفوذ التركي القديم في المناطق العربية في العراق وسوريا.