هذا إرث خامنئي في 30 عاماً كمرشد لإيران

نشر في: آخر تحديث:

أحيا المرشد الإيراني علي خامنئي في مراسم أمس الثلاثاء، الذكرى السنوية الثلاثين لوفاة المرشد الأول آية الله روح الله الخميني، حيث تسلم بعده زمام الأمور وقام بتغيير الدستور ليصبح "الولي الفقيه المطلق" ومرشدا أعلى مدى الحياة.

وأكمل خامنئي عامه الثلاثين في الحكم بتأكيدات خلال خطبته في مرقد المرشد الأول، بأن يواصل نهج الخميني ويستمر بثورته، مؤكدا على شعار "مقاومة" أميركا.

ويأتي هذا في حين يقرع الحرس الثوري المكلف بحماية الثورة والنظام والمرشد، طبول الحرب، وسط ازدياد التعزيزات الأميركية وتدريبات حاملة الطائرات والقاذفات والمقاتلات والجنود الأميركيين على بعد أميال من الخليج العربي في بحر العرب، وذلك عقب تصاعد التهديدات الإيرانية ضد مصالح واشنطن وقواتها وحلفائها.

كما لا يزال نظام خامنئي يتفاخر باحتلال 4 عواصم عربية، دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء، من خلال إشعال الحروب ودعم الإرهاب ونشر الميليشيات والفوضى.

لكن بالمقابل، جلبت هذه السياسات واستمرار تهديد دول المنطقة وزرع الخلايا وعمليات التخريب خاصة في دول الخليج العربي، كراهية غير مسبوقة لخامنئي ونظامه، فضلا عن تصاعد مشاعر الغضب والاستياء والتمرد في أوساط الشعوب داخل إيران الذين بات أكثر من نصفهم يعيشون تحت الفقر في ظل تبديد ثرواتهم على التوسع الإقليمي للولي الفقيه وقمع كل صوت منتقد ومعارض.

ومنذ بداية العام الماضي، تستمر المظاهرات والاحتجاجات التي بدأت بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والغلاء والتضخم، ثم باتت تطالب برحيل خامنئي ونظامه وكل رموز حكمه الذين وصفهم المتظاهرون بالفساد والديكتاتورية وسوء الإدارة وإعادة إيران إلى العصر الحجري من خلال تدمير البنى التحتية والبيئة والمال والأعمال والتعليم وكل مناحي الحياة.

وتشهد إيران بعد 30 عاما من حكم خامنئي أسوأ الظروف الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية والاجتماعية وانهيار عملتها وارتفاع معدلات التضخم والبطالة في ظل تشديد العقوبات الأميركية من قبل إدارة ترمب، التي يرفض خامنئي مفاوضتها على المطالب الـ12 لتكون دولة عادية وتقوم بتغيير سلوكها وتخدم شعبها وتنهي تهديد المنطقة والعالم.

كيف أصبح خامنئي مرشداً؟

اجتمع مجلس خبراء القيادة، في يونيو/حزيران عام 1989، بعد رحيل الخميني، لاختيار "مرشد مؤقت" حتى إجراء "الاستفتاء" عليه، حيث ينص الدستور الإيراني على أن المجلس الذي يختاره الشعب من بين الفقهاء المصدق عليهم من قبل مجلس صيانة الدستور، المرشد الأعلى للبلاد كـ "ولي الفقيه".

وينص الدستور الإيراني على التالي: أنه إذا لم يكن هناك شخص واحد يجمع عليه أعضاء مجلس الخبراء كـ "مجتهد جامع الشروط" لقيادة البلاد، فيمكنه اختيار "شورى القيادة" من بين الفقهاء.

لكن أكبر هاشمي رفسنجاني، "ثعلب السياسة الإيرانية" كما كان يُطلق عليه، وكان رئيس البرلمان الإيراني حينها وعضوا بمجلس الخبراء، بالإضافة إلى مناصبه القيادية الأخرى، أصر على أن القيادة يجب أن تكون فردية، وقام بهندسة ترشيح خامنئي بالتنسيق مع أحمد خميني، نجل المرشد الأول.

وعارض عدد من أعضاء المجلس ذلك، كما رفض خامنئي نفسه ترشيحه، بخطبة فُسرت لاحقا كمسرحية، حيث قال في كلمة قصيرة "يجب أن نبكي دماً على مجتمع إسلامي يطرح فيه احتمال قيادتي وقيادة أمثالي له".

وأشار خامنئي إلى أن هناك "إشكالات دستورية" على ترشيحه، كما صرح بها كبار بأعضاء مجلس الخبراء حول أنه لا يحظى بصفة "مرجع التقليد أو مجتهد جامع للشروط" كي يأتمروا بأمره شرعاً.

وهنا تدخل رفسنجاني ومجموعته، حيث قال إنه يعرف خامنئي منذ أيام الدراسة، ويشهد بأنه يمكنه الوصول إلى الحكم الشرعي بمراجعة صغيرة للمصادر أو بالاستعانة ببعض الخبراء، ثم تقدم باقتراح تنصيب خامنئي في مقام "المرشد الأعلى المؤقت حتى إجراء الاستفتاء"، ردا على المعترضين بالقول إن "الخميني قال لي لن تواجهوا مشكلة ما دام لديكم شخص مثل السيد خامنئي بعد وفاتي".

وبعد هذا الاجتماع أصبح خامنئي المرشد الأعلى، لكنه لاحقا قام بتغيير الدستور واستمر في منصبه حتى الآن.

مرشد مدى الحياة

وكان مهدي كروبي، رئيس البرلمان الإيراني السابق وأحد زعماء الحركة الخضراء الخاضع تحت الإقامة الجبرية منذ 8 سنوات، قال خلال رسالة مفتوحة موجهة إلى أعضاء مجلس الخبراء العام الماضي، إن المرشد الأعلى للنظام علي خامنئي، قام بتغيير الدستور عام 1989عقب وفاة الخميني، مؤسس نظام ولاية الفقيه، ليحكم مدى الحياة.

وكشف كروبي أن خامنئي تم انتخابه كمرشد عقب وفاة الخميني عام 1989 بصورة "غير دستورية"، حيث إنه لم يكن مقررا أن يتم اختيار ولي فقيه بل يتم انتخاب مجلس قيادي.

وأضاف أن خامنئي تم اختياره كمرشد مؤقت رغم عدم امتلاكه الشروط، لكنه ومجموعته بقيادة أكبر هاشمي رفسنجاني، قاموا بتغيير الدستور وأضافوا عليه 3 بنود وهي: 1- إضافة لفظة "المطلقة" لولاية الفقيه. 2- إلغاء مدة العشر سنوات لولاية المرشد. 3- تخويل المرشد حق حل مجلس الشورى (البرلمان).

سياسات كارثية

وأشار كروبي إلى أن نتيجة سياسات خامنئي طيلة العقود الثلاثة الماضية أدت إلى الأزمات الاقتصادية والمعيشية في إيران، واندلاع الاحتجاجات وانهيار العملة المحلية وتفشي الفقر والبطالة والمجاعة، وطالب مجلس الخبراء بمساءلته بدل تبرير سياساته.

وانتقد كروبي "عدم التزام مجلس الخبراء بالدستور وعدم الإشراف الفعال على المرشد والمؤسسات الخاضعة له، بما في ذلك مجلس صيانة الدستور والحرس الثوري والباسيج والقضاء والإذاعة والتلفزيون ومؤسسات الاقتصاد على مدى العقود الثلاثة الماضية".

كما قال إن موجة القمع والاعتقالات ضد المتظاهرين والناشطين والصحافيين والمحتجين من مختلف فئات الشعب، في عهد خامنئي، لا تقارن بعهد الشاه بقسوتها.

خامنئي من الفقر إلى الثراء الفاحش

ونشرت السفارة الأميركية في بغداد معلومات، الشهر الماضي، حول ثروة خامنئي، وقدرتها بـ200 مليار دولار، ما أثار التساؤلات حول كيفية جمع هذا المبلغ الهائل من قبل رجل كان يعيش في أسرة فقيرة قبل أن يصبح أحد قادة النظام الإيراني ثم مرشده.

وورد في السيرة الذاتية للمرشد الإيراني في موقعه الرسمي، أن خامنئي المولود عام 1939 من عائلة رجال دين في مدينة مشهد، مركز محافظة خراسان شمال شرق إيران، عاش فترة طفولته "في عسرة وضيق شديدين".

وخلال حقبة الستينات والسبعينات، اعتقل خامنئي وسجن عدة مرات من قبل جهاز مخابرات الشاه "السافات"، وقضى العامين الأخيرين قبل الثورة أي من 1977 حتى 1979 مبعداً إلى مدينة ايرانشهر بمحافظة بلوشستان، قبل أن يتم إطلاق سراحه قبيل الثورة بأشهر.

وحتى بعد أعوام من الثورة وعضويته في مجلس قيادة الثورة ثم رئاسة الجمهورية، لم يُعرف عن خامنئي أنه يقوم بجمع الأموال، ويبدو أنه قام بذلك منذ تسلمه منصب المرشد عقب وفاة روح الله الخميني عام 1989.

لكن منذ تسلمه منصبه، حصل المرشد الإيراني وفق الدستور على تخصيصات هائلة من الموازنة السنوية، كما هيمن على مؤسسة عملاقة تعرف باسم "هيئة تنفيذ أوامر الإمام الخميني" أو ما تعرف اختصارا بـ"ستاد" وهي هيئة مصادرة العقارات والأراضي التي تعود لـ"مناهضي الثورة والنظام" سواء من المعارضين للنظام ولاية الفقيه أو بقايا حكم الشاه والتي جنت له أرباحا بحوالي 100 مليار دولار.
وتقوم "ستاد" بالاستثمارات في مجالات المال والنفط والاتصالات، بالإضافة إلى المؤسسة العملاقة الأخرى "آستان قدس رضوي" التي تشرف على إدارة ضريح الإمام الرضا الشهير في مدينة مشهد، وتعتبر إحدى المؤسسات الكبرى التابعة للصناديق الخيرية الضخمة التابعة بدورها لمؤسسة "بنياد" وهي من المؤسسات الاقتصادية الضخمة التابعة لبيت المرشد، والمعفاة من الضرائب وتشكل نسبة كبيرة من الاقتصاد غير النفطي الإيراني تصل أموالها إلى 20% من إجمالي الدخل الوطني.

مرض المرشد وخلافته

ويعاني المرشد علي خامنئي الذي يبلغ من العمر 80 عاما، من مرض سرطان البروستاتا، حيث بات موضوع تعيين من سيخلفه أحد المواضيع الساخنة داخل أجنحة النظام الإيراني المتصارعة بشدة فيما بينها في ظل استمرار الاضطرابات الداخلية والضغوط الخارجية.

وفي ظل هذا الصراع، يخشى قادة النظام من أن يحدث موت خامنئي المفاجئ فراغا كبيرا دون وجود خليفة له، حيث لا توجد حاليا من بين رجال الدين المتنفذين شخصية تستطيع مد الجسور بين الأجنحة المنقسمة وحتى بين المؤسستين العسكريتين، الجيش النظامي والحرس الثوري الموازي.

وعلى الرغم من طرح بعض الأسماء البارزة المقربة من المرشد مثل إبراهيم رئيسي رئيس السلطة القضائية، وصادق آملي لاريجاني رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، ورئيس الجمهورية حسن روحاني وشخصيات أخرى أقل تأثيرا، إلا أن مراقبين يقولون إنه لا أحد منهم يمتلك المقومات التي تجعله خليفة محتملا لمنصب المرشد.