عاجل

البث المباشر

ثريا الشهري

كاتبة سعودية مهتمة بقضايا الإصلاح

كاتبة سعودية مهتمة بقضايا الإصلاح

أصفار في أصفار!

يقول الشاعر «ملتون» خطيب الثورة الإنكليزية عن حرية التأليف: «لكأنما تقتل إنساناً حين تقتل كتاباً حسناً. بل إن قاتل الإنسان إنما يقتل مخلوقاً عاقلاً، أمّا قاتل الكتاب الحسن فإنه يقتل العقل نفسه. وكم من إنسان يحيا على الأرض وهو عبء عليها، ولكن الكتاب الحسن هو دم الحياة الغالي لروح الحكمة. قد حنِّط وأودع، كي يحيا حياة تجاوز الحياة». وكما يقول في موضع آخر إن الحرية هي خير المدارس للفضيلة. وإلى ذلك كله نضيف أن أول الحقوق هي حرية الإنسان في أن يحيا، ولا يملك أحد أن يصادر هذا الحق إلاّ بالحق المنصوص عليه شرعاً. ومن أحيا إنساناً فكأنما أحيا الناس جميعاً. ومن قتل إنساناً فكأنما قتل الناس جميعاً. قتله بعقله وباغتيال أحلامه وذكرياته، ثم أهال التراب والحزن عليه، فمن يملك أن يقتلع بريئاً من الحياة لمجرد أنه أمر باقتلاعه؟ فمن يكون هذا الآمر ليأمر؟ ومن يأمر على الآمر وهو عبء الأرض وابتلاؤها؟ الجواب: عدالة القانون.

تفجيرات بوسطن عمل جبان وقذر وهذا أكيد، ولكن انظر إلى هؤلاء القوم وإلى قيمة إنسانهم! قيمة لا تعلوها قيمة ولو كان طفلاً لا يتجاوز الثامنة من عمره. ثم انظر إلى أرقام قتلانا! بل أغمض عينيك وتصور لبرهة أن رئيس أميركا منهمك في تقتيل شعبه، بضحايا تجاوزوا الـ100 ألف، وهو لا يزال بعد رئيساً، ويصدر بعبثه أحكامه بالعفو أيضاً، فكيف هانت علينا قيمتنا إلى هذا الانحطاط، ثم ننتفض إن ظلمنا الآخر أو عاملنا بجفاء. «قال يعني عاملين فيها كرامة»!

قبل انتقادنا الاستنفار الذي أعقب تفجيرات بوسطن لأن من ماتوا لا يتجاوزون الثلاثة، وقبل أن نهذي كعادتنا علينا النظر والتعلّم كيف يكون الإنسان إنساناً؟ كيف تكون حرمته وحقوقه في الحياة؟ وكيف تُجنّد إمكانات الدولة بأجهزتها وعقولها! «ويا ليتك تسأل فيها عربياً يعيش بينهم». ولنتأمل كيف أن كل شخص فيهم يعرف ما عليه فعله، ولا يحتاج إلى من يذكّره به. وكيف يحاسب مقصِّرُهم بلا تهاون وفقاً لنتائجه. وبعد أن نطيل النظر سنهتدي إلى سبب تسميتنا بالعالم الثالث، وإن كنت أعتقد أن الرقم فيه بعض المبالغة، فمن غير المنطقي أن نأتي بعد العالم الثاني، وكان الأولى ألاّ نحمل رقماً على الإطلاق، فالتدهور مستمر والرقم الثابت لا يعبر عن واقع هبوطنا السريع. فالأصح وهذه الحال أن نُحرم حقنا في التصنيف. فنحن من رداءة أدائنا نستحق خروجنا من التصنيف. أمّا مع إصرارنا على لعبة الأرقام، فالأنسب أن نصاحب رقماً متغيراً، فاليوم نحن العالم الثالث وغداً نكون العاشر، وبعد غد الـ100 وهكذا. فنعُبّ من أرقامنا ونرقد على أصفارنا، كما ترقد الدجاجة على بيضها لنفقس أصفاراً وأصفاراً، وتكون حياتنا أصفاراً في أصفار! ألسنا من اخترع الصفر؟ فنحن أحق به من الغريب، ولا نرضى ولا نقبل مصادرة حقنا حتى في الصفر.

ليس الأهم امتلاك المال والبنيان، قدر من يقف وراء الاثنين، وما هي أجندته؟ قدر حال الإنسان خلف الأسوار، وقيمته في بيته ومدرسته وعمله وشارعه، قدر معاملته وقوانينه وعلى أي درجة إنسانية. وقدر الانتفاض لحقه والاقتصاص لظلمه! أمّا سؤالي: فهل سيأتي يوم على العربي لا يشعر فيه بقهر وغضب لا يعرف لهما تصريفاً؟ وبالنسبة لشعب الولايات المتحدة فلو أنه خبر مآسي الحروب التي قضت على إحساسنا بالحياة، ولو خبر هذا الشعب لأسبوع واحد فقط ويلات الحرب لتعاطف معنا إنسانياً، ولضغط على حكومته سياسياً أكثر من موقفه اليوم، ولكنه معذور، فأدوار الأسرى وقيود الوصاية من نصيبنا. وعلى ما يبدو أننا ألفناها حتى ضيّعنا سبيل الخروج منها، فلا نلومه على تفريطنا، ذلك أن الحرب الحقيقية هي بين الأذكياء والأغبياء... وبين الجهلة وأصحاب الوعي، فلا عجب أن نكون مهزومين، وليس سراً أنه من هزائمنا جاء انتصارهم علينا، فلماذا نُقدِم ولكن في الاتجاه الخاطئ غالباً؟ فهل نحن أصحاب حوَل وراثي؟ فلنجر عملية تصحيح نظر، ولنسحب المياه البيضاء والزرقاء وكل ما يلزم قبل أن نخسر الأعصاب البصرية ومعها ما تبقى من أمل!

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات