البغضاء رياح الخماسين

محمد علي فرحات

محمد علي فرحات

نشر في: آخر تحديث:

الأحد 19/5/2013: رسالة

رسالة البحر في زجاجة محكمة الإغلاق، حملها الموج إلى الشاطئ.

من رأى للمرة الأخيرة بحراً وشاطئاً وزجاجة؟

مرة جديدة وإلى الأبد، نحن أسرى الأبنية المتهالكة وقد ضربتها رياح الملح واليود. نحن الأسرى، ألهانا التكاثر حتى اختلفنا وتخاصمنا، وتحاربنا لأتفه الأسباب بل لأهمها، ما الفرق؟ نبحث قبل الرحيل عن مساحة حرة لجسد حرّ له فضاؤه الخاص، حُرمته التي لا تخترق.

الاثنين 20/5/2013: موسيقى

الموسيقى من النافذة تأسرني، فأسهر الليل على الرصيف المقابل. موسيقى أقول إنها كونشرتو الكمان لرحمانينوف. أقف تحت المطر مجذوباً مثل مريد ولا أتبلل. أقف ولا أذوب لأن الموسيقى مظلتي.

هل كان خلف النافذة كمان قرب مدفأة، أم أنه امرأة بلا صوت بلا عازف، ومع ذلك تسيل موسيقاها من النافذة؟

تخفت الموسيقى الطالعة من البيت المحاذي للبحر؟ تخفت فأواصل السير، يؤنسني المطر القليل، من ركام الآثار المغطاة بحشائش الماء وصولاً إلى بساتين الداخل، ولا أسمع صوتاً.

هل الناس يتخفون أم أنهم فقدوا أصواتهم، حتى إذا تكلموا يشعر النبات المحيط بغربتهم.

طبيعة خلابة بلا أهل وترفض سكانها الطارئين. طبيعة تشعر أن أهلها رحلوا وتركوها للخدم.

الثلاثاء 21/5/2013: الإمبراطور أمل دنقل

أمل دنقل، شاعر «الجنوبي» و «لا تصالح»، يقرأه مصريون وعرب في الذكرى الثلاثين لرحيله.

في «الجنوبي» وعي حاد بموقع الضحية العالمي واعتراف بالقسمة بين شمال ظالم وجنوب مظلوم. وفي «لا تصالح» إيغال في استعارة الصراع القبلي ونقله من المجال العربي إلى المجال العالمي. ليست حرب البسوس هنا سوى ظل للحرب العربية - الإسرائيلية في قصيدة تكرست رداً شعرياً على كامب ديفيد:

«لا تصالح على الدم... حتى بدم

لا تصالح، ولو قيل رأس برأس

أكلّ الرؤوس سواء؟

أقلب الغريب كقلب أخيك؟

أعيناه عينا أخيك؟

وهل تتساوى يدّ... سيفها كان لك

بيدٍ سيفها أثْكَلك؟

سيقولون:

جئناك كي تحقن الدم.

جئناك. كن - يا أمير - الحكم

سيقولون:

ها نحن أبناء عم.

قل لهم: انهم لم يراعوا العمومة في من هلك

وأغرس السيفَ في جبهة الصحراء إلى أن يجيب العدم.

إنني كنت لك فارساً، وأخاً، وأباً، ومَلِك».

لا فرق بين شخص أمل نقل وشعره، هذا المصري المعترض على أرض صلبة، واثق من تماسك مجتمعه حتى إذا خاطبه واقتنع بالخطاب يتحقق الحق.

شاعر المجتمع الراسخ أمل دنقل، هكذا كان يظن وكنا نشاركه الظن، لكنه مات قبل أن يدرك حكم الإخوان المسلمين ينقل مصر من حالها الكلاسيكية كبلد يستوعب الغرباء ويعجنهم بحضارته العريقة، إلى بلد هش يحاول الإخوان تجفيفه وتلوينه بألوان هذه المرحلة التاريخية أوتلك، حتى صار الكلام اليوم أموياً عباسياً مملوكياً عثمانياً، بعيداً من النهضة ومن هوية مصرية تعجن التاريخ ليصبح جزءاً من شخصيتها لا استلاباً لهذه الشخصية.

أمل دنقل، ليس محمود درويش ولا أدونيس. لا نعني هنا المفاضلة، إنما الفرق في الموقع بين شاعر مصري واثق بالمسار الثقيل البطيء المؤكد لمجتمعه، وشاعرين فلسطيني وسوري غير وثوقيين ويمتلكان اللعثمة ووعياً شقياً بمتغيرات الإنسان في وطنيهما، بل في العالم.

أمل دنقل إمبراطور المعارضة فيما محمود درويش وأدونيس شاهدا الجراح في أمكنة وأزمنة تتحول بلا نهاية.

لو أدرك أمل دنقل عهد محمد مرسي لكتب ما يشبه شعر درويش وأدونيس وتخلى عن وثوقيته.

الأربعاء 22/5/2013: خيانة البعيد

أصروا على السفر. سافروا. لم يقنعوني بمرافقتهم ولم أقنعهم بالبقاء.

تركوا لي البيت وموسيقى جمعوها من جيران هم بدورهم سافروا بلا عودة.

وصلني صوتهم عبر الهاتف بعدما وصلوا واستقروا: أما زلت مصراً على البقاء؟ نريدك معنا، وحين ترغب نحجز لك مكاناً في أول طائرة. قلت إنني باقٍ طالما وجدت مساحة لجسدي، وطالما أتنقل في غرف البيت مثل ملك تخلت عنه رعيته، تخفف من رعيته. هكذا في كل زاوية أطلق أنشودة، أو أؤلف حكاية بلون الحب ووهجه.

قال أخي في رسالة مطولة من مونتريال إن المهاجرين هناك غيرهم في بيروت والإسكندرية.

في مدينتي المتوسط تشعّ أضواء الثقافات من نوافذ البيوت ملونة الشارع والعابرين، وتضفي عليهم إيقاعاتها المتنوعة. أما في مونتريال فيحبس المهاجرون ثقافاتهم في البيوت، يغطونها لئلا يراها الزوار، كأنهم يخافون الهواء الآخر، البشر الآخرين، حتى اكتسبت ثقافاتهم رائحة النفتالين بعيداً من شمس وهواء.

لا تتغير الشجرة في تربة جديدة، فإما أن تحيا أو أن تموت

ولكن، ثمة إرادة جبارة أشبه بخيانة مدوية لا يسمعها سوى صاحبها.

إنها المواطَنة الجديدة التي تبدأ من النسيان.

ووحده النسيان حياة جديدة لشعوب لاعبها الموت وتطلب أن تتنفس، مجرد أن تتنفس.

الخميس 23/5/2013: لاجئون

لاجئون سوريون، بعد لاجئين عراقيين، بعد لاجئين لبنانيين، بعد لاجئين فلسطينيين، بعد لاجئين يهود، بعد لاجئين روس وأوروبيين شرقيين.

وبين اللاجئين من أصبحوا نخبة العالم لكنهم يفقدون المعنى في بلادهم الأصلية.

واللاجئون، عموماً، لا يعودون. يتسربون إلى أماكن متعددة على هذا الكوكب ويطبعون أحزانهم في غير مكان وغير لغة.

والبغضاء، هذه البغضاء اللافحة في بلادنا مثل رياح الخماسين، تصدر من أفواه تطلق كلامها مثل نيران سحرة ومشعوذين.

ولكن، في مكان ما، ثمة أناس يحبوننا. أنا متأكد من ذلك.

نتطلع إلى خريطة بلادنا. أماكن للمآسي لا للمعارك. من يستطيع القول إنه انتصر؟ ولكن، يستطيع الجميع القول إنهم آباء المأساة وأمهاتها، ذلك أن تاريخنا الحديث ألعاب طوائف دموية.

الطائفة قناع يخفي وجه الكائن، والطائفة وجه يحتاج إلى قناع يخفيه.

ثمة قناعان أو أكثر لوجه الإنسان في بلادي.

كم يتشابه الأطفال عندنا وكم تختلف وجوه الكبار.

انه نضجنا الزائف. اسألوا الطائفية، لعنة الانفصال.

من لوحة لكيث هارينغ

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.