رَمادُ الكُتُب

خيري منصور

نشر في: آخر تحديث:

ارتبط حرق الكتب والمخطوطات عبر التاريخ بالغزاة الهمجيين، أو النظم الفاشية، وهناك أمثلة عدة تحولت فيها خلاصات المعرفة إلى رماد، ما دفع كاتباً أمريكياً هو راي براد بري، إلى كتابة مؤلفه الشهير “451 فهرنهايت” والذي تحول إلى فيلم من اخراج فرانسوا تروفو . حيث يضطر الناس إلى الانصراف نحو البراري كي يحفظوا الكتب في الذاكرة بعد أن هدّدت كلها بالتحول إلى رماد .

في عصرنا أُحرقت مكتبات ومخطوطات ولم يكن الحارق هو دائماً هولاكو أو من هُم على شاكلته، ففي مصر التي يليق بها وبدورها التنويري منذ القرن التاسع عشر اسم “أُم الكُتُب” تحولت عشرات الآلاف من أُمهات الكتب التراثية والمخطوطة والحديثة إلى أكوام من الرماد، وآخر منجز وحشي وظلامي هو حرق عشرة آلاف كتاب في منزل محمد حسنين هيكل الذي يقع في مزرعة برقاش حيث يستقبل الكاتب ضيوفه ويتفرغ لتأملاته وذكرياته .

من تلك الكتب “وصف مصر” الذي يقال إن ثمنه لندرته يصل إلى مليون دولار، هذا إضافة إلى مقتنيات الكاتب وكل ما يحتوي المنزل، ولحسن الحظ أن هيكل حالة نادرة من الذاكرة المعافاة والمتماسكة رغم تقدمه في السن، فهو لم يُصبْ بالزهايمر الذي تحول إلى وباء وأصاب حتى من هم دون الثلاثين أحياناً .

ولم يكن هيكل مضطراً كي ينصرف هو وأبناؤه وأحفاده إلى حفظ عشرة آلاف كتاب على طريقة فيلم “551 فهرنهايت” فنحن نعيش زمناً لا ينفع مع تطوره التكنولوجي حرق الكتب أو حتى اغتيال المفكرين، وكانت مصر قد شهدت من قبل محاولات منها ما نجح كقتل فرج فودة، ومنها ما خاب كمحاولة اغتيال نجيب محفوظ، بعد فوزه كأول أديب عربي بجائزة نوبل، لقد حاول أعداء الكتب والنور والحياة كلها ذبح محفوظ من الوريد إلى الوريد وهو في العقد التاسع من عمره، لكن الرجل كان محظوظاً بقدر ما هو محفوظ، وأخطأه الاغتيال، لكن يده اليمنى بقيت شبه معطلة عن الكتابة .

إن هذه الحرب التي لم تنقطع يوماً في التاريخ على الوعي والتنوير أخفقت في كل مراحلها، لهذا انتصر العقل، وتقدم العلم وبقيت الشمس تشرق كل فجر .

فهل خطر ببال حارقي الكتب سواء كانت في منزل هيكل أو مكتبة عامة أو مركز دراسات، إن الاعتداء تم على آلاف الكتّاب هم مؤلفو تلك الكتب وأن جريمة من هذه السلالة هي في حقيقتها آلاف الجرائم .

لقد شعر العديد من المثقفين والمؤلفين العرب فور سماع نبأ الحريق بأن النار لسعت قلوبهم وليس أصابعهم فقط، خصوصاً هؤلاء الذين أهدوا بعض مؤلفاتهم لهيكل وإن كان من حقي أن أضيف نفسي إلى هؤلاء، فإن لي ثلاثة مؤلفات على الأقل أهديتها إلى الأستاذ هيكل في فترات متباعدة قد تحولت إلى رماد . .

إنه عدوان وحشي طال الموتى قبل الأحياء، والوطواط الأعمى هو عدو الشمس وكذلك الكتّاب .

نقلاً عن صحيفة "الخليج"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.