أين ولد الاستفتاء العربي؟

سمير عطا الله

سمير عطا الله

نشر في: آخر تحديث:

«لأن مارك لم يكن قد رأى في حياته من قبل بحرا أو سفينة أو منزلا من الطوب». ومارك هو الحمال الذي تعرف إليه الكاتب البريطاني غراهام غرين وهو يجوب أدغال مونروفيا عام 1935، القارة التي ستمنحه المادة لأجمل رواياته وأجمل كتب الترحال.

لماذا تفوق الإنجليز في كتب الرحلات؟ لماذا لا يزال أبدع الكتاب في هذا الباب منهم أيضا؟ لا أدري. ربما لأنهم تركوا خلفهم جزيرة صغيرة وطفقوا يجوبون الأرض بحثا عن الشمس، مرة في الجزيرة العربية، مرة في الهند، ومرات في أعالي البحار. وفي أي حال معظمهم وضع تحفه الأدبية من بلاد أخرى: كيبلنغ من الهند. ريتشارد بورتون من الجزيرة. جورج أورويل من بورما ودلهي وباريس. تشارلز دوتي من الصحراء العربية. لورانس داريل من الإسكندرية... إلخ.

يرسم غراهام غرين لأفريقيا لوحة نسينا أنها كانت موجودة «لم يكن قد رأى منزلا من الطوب». ثم نرى بين حماليه وحراسه شابا آخر يعول بالقروش القليلة التي يتقاضاها أمه وأباه وإخوته وربما أعمامه أيضا.

لم يكن رئيس الدولة يجرؤ على القيام بجولة في البلاد مع أنه جمع الأسلحة النارية من القبائل ولم يترك لهم سوى الحراب. وفي أي حال ما من مكان ينام فيه على الطريق والناس جوعى وغاضبون، وإذا ما قدر القيام بالزيارة فسريعا وعلى طرق غير متوقعة.

والذين كانوا يعتقدون أن الديمقراطية اخترعت في العالم العربي، عليهم أن يقرأوا «رحلة من دون خرائط». هنا يقول غرين إن رئيس الدولة في ليبيريا يملك كل شيء، وخصوصا المطبعة التي تطبع أوراق الاقتراع. لذلك فاز الرئيس كنغ (1928) على منافسه المستر فولكنر بأكثرية 600 ألف صوت. حسنا، أين المشكلة؟ المشكلة أن مجموع عدد الناخبين، إذا تمكنوا جميعا من الاقتراع، لم يكن يتجاوز 15 ألفا. لكن المستر كنغ كان كريما وأراد لمواطنيه أن يتبحبحوا.

ظاهرة أخرى عرفناها في كل بلدان الكبرياء الفارغة: الأفريقي كان يفضل الخضوع لأوامر الرجل الأبيض ويشعر بالإهانة إذا كان آمره متقدما عليه. أو ما سمي عندنا «عقدة الخواجة»، وكان اللبنانيون أيام الانتداب الفرنسي يطالبون بضباط فرنسيين لأن هؤلاء لن يغالوا في إرضاء رؤسائهم.

نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.