زميلنا يحيى السياد.. كفيف يرى الحياة بنور الأمل

نشر في: آخر تحديث:

عند انضمامي لمجموعة "أم بي سي" كنت أقابل الكثير من الزملاء، ولكن زميلنا يحيى السياد كان شخصية مختلفة، حيث كنت أراه في كل زوايا المبنى أحياناً في المصعد ينتظر معنا وهو يحمل عصاه ويمشي دون مساعدة، يسمع رنة المصعد ليعرف أنه متجه صعوداً أو نزولاً، بينما نحن نحدق بأعيننا في اتجاه السهم، وأحياناً كثيرة في مطعم مبنى المجموعة أثناء ساعة الغداء، كنت أتأمل خطواته وحركاته وأتساءل كيف يمكنه أن يمشي ويضحك ويتحرك دون أن يكون له مرشد أو مساعد، بينما نحن نتمتع بكل حواسنا ويشوبنا في كثير من الأحيان اليأس والملل، وأحيانا أخرى كنت أراه على كرسيه في المكتب يتابع عمله بكل تركيز مع جهاز ناطق وعند السلام عليه تعلو الابتسامة محياه.

يحيى السياد الشاب الكفيف الوحيد الذي يعمل في "أم بي سي" التي شعارها " We see Hope everywhere" وتعني نرى الأمل في كل مكان، وهو ما علمني إياه أنا شخصياً عندما التقيته ودار بيننا حوار طويل كنت فيه منصتة ومتسائلة حول تفاصيل حياته ورحلته مع عجزه عن البصر، مروراً بوصوله إلى أكبر مجموعة إعلامية عربية.

فالزميل يحيى السياد، يعيش حياة طبيعية رغم أنه كفيف البصر، فيحيى يعاني ضعفاً شديداً في أعصاب العين ومشكلة في الشبكية منذ ولادته، ورغم أن العلم والطب تطورا فإن علاج الشبكية لا يزال غير فاعل ومضمون في حالته، بحسب ما أكده لنا.

قابلنا الزميل يحيى الذي يعمل في قسم الموارد البشرية في مجموعة "أم بي سي" التي منحته الفرصة والثقة للعمل فيها، في مكتبه حيث يجلس وأمامه كمبيوتر عادي، لكنه مزود بجهاز ناطق يساعده على معرفة ما يصله من رسائل بريدية وغيرها.. استقبلنا بصدر رحب وحمل عصاه التي تدله على دربه وتوجهنا معه إلى مقهى موجود في المبنى.

بين البحرين ولندن الكثير من الخبرات

تحدث يحيى الذي يبلغ 30 عاماً معنا بكل ثقة عن مؤهلاته وحياته ومشكلته الصحية مع البصر التي يعتبرها أمراً جانبياً وثانوياً، وقال "عشت طفولتي في الصومال، وعندما بلغت السابعة ذهبت إلى البحرين في بعثة تعليمية من الحكومة الصومالية السابقة لمعهد النور للمكفوفين مع 9 زملاء آخرين للدراسة حتى الثانوية".
وأضاف "كانت كل وسائل الراحة متوفرة وجميع التسهيلات موجودة حتى حصلت على الامتياز لأسافر بعدها إلى لندن لإكمال تعليمي الجامعي".

وعن الصعوبات التي واجهته في بريطانيا كشف يحيى أن مستوى الوعي لدى الآخرين في بلاد الغرب أكبر، وقال "أخذت دورات في تقوية اللغة وعند تقديمي للجامعة تم قبولي فوراً، لأنهم مهيؤون بدورات وخبرات للتعامل مع المكفوفين وغيرهم من الحالات الخاصة"، وأكد يحيى أنه تعلم في البحرين الكثير، بينما علمته لندن الثقة والاعتماد على النفس.

يحيى أكثر تفهماً لنظرة الآخرين له

ورداً على سؤال حول طبيعة العصا التي هي رفيقته في كل خطوة، تحدث يحيى قائلاً "هي عصا عادية جداً لها طريقة تعليم خاصة، حيث إذا وضعتها جهة اليمين تكون الخطوة جهة اليسار والعكس، ولها مستوى معين من الطول، ويجب أن تعطى مسافة متر من الجسم، بالإضافة إلى أنها مزودة بعجلة في نهايتها تساعد على معرفة طبيعة الأرض".

وأوضح أن أبرز ما يواجهه نظرة الآخرين بعدم الثقة في قدراته كونه كفيفاً، ونظرة الشفقة، مؤكداً أنه أصبح أكثر تفهماً للآخرين، بسبب ضعف وعيهم لمشكلته الصحية وأصبح أقل انزعاجاً.

وتحدث أن البنية التحتية في لندن في الشوارع ووسائل المواصلات جعلت حياته أسهل، وهو أيضا متوفر في دبي، حيث إنه يذهب عن طريق المترو المزود بوسائل حديثة تساعد المكفوفين والمعوقين من خلال الأجهزة الناطقة.

هواياته الغوص وتسلق الجبال

وقال إن تسجيله في وزارة الشؤون الاجتماعية في لندن علمه الكثير من الثقة والاعتماد على النفس، وضرب أمثلة على قيام مندوبين من الوزارة على تعليمه القيام بغسيل الملابس وكيها والطبخ بطرق يتم استغلال بعض الحواس الأخرى مثل اللمس والشم.

وعن طبيعة حياته وهواياته قال إن حب المغامرة كان أكبر دافع بالنسبة له، مشيراً إلى أنه تدرب على الغوص مع مدربين مختصين في الحالات الخاصة ويمارس تسلق الجبال مع أصدقائه.

وأكد يحيى أن قبول حالته الصحية والتعامل معها بالبدائل جعل حياته أسهل، مؤكداً أن الحواس الأخرى تساعده في ذلك.

ولمحت في يده خاتماً فبادرته بالسؤال هل أنت متزوج، فأكد لي أنه تزوج منذ شهرين من فتاة عادية لا تعاني أي مشكلة، وخضع للفحص الطبي قبل الزواج حتى يتأكد من أنه لن ينجب أطفالاً لديهم مشاكل صحية.

وفي ختام الحوار أكد يحيى أن الثقة بالنفس والإيمان بالله صقلا شخصيته وجعلاه إنساناً ناجحاً، في حين أن كثيرين في مثل حالته يعانون بسبب ضعف ثقتهم بأنفسهم وتركيزهم على إعاقتهم، في حين يعتبر يحيى أن ضعف بصره مشكلة جانبية لا تأخذ الكثير من تفكيره.