عاجل

البث المباشر

كيف أمر البابا بشن حملة صليبية وإبادة طائفة مسيحية؟  

المصدر: تونس – طه عبد الناصر رمضان 

مع مطلع القرن الثالث عشر، لم تعد القدس الهدف الوحيد للحملات الصليبية، فخلال تلك الفترة ومع انتشار ما يعرف بـ "الهرطقة" لم يتردد #البابا في إصدار أوامره بشن حروب مقدسة داخل العالم المسيحي.

وكانت تلك الحملات بمثابة "فرصة لكل المسيحين من أجل تطهير النفس من الخطايا، والتقرب من الإله" عن طريق إطاعة أوامر البابا الذي لم يتردد في تقديم وعود بـ "الجنة" لكل من يشارك في هذه الحروب المقدسة.

وفي الأثناء وبدل التنقل آلاف الكيلومترات من #أوروبا نحو بلاد الشام لتلبية نداءات البابا الداعية لاستعادة القدس، اعتبرت الحروب الصليبية ضد الهراطقة على الساحة الأوروبية فرصة لكل المسيحيين لتحقيق غاياتهم الدينية على بعد عشرات الكيلومترات فقط .

لوحة تجسد عملية حرق الكاثار خلال الحملة الصليبية لوحة تجسد عملية حرق الكاثار خلال الحملة الصليبية

وبالنسبة للدولة البابوية، كانت حركة الكاثار الدينية التي ازدهرت خلال النصف الثاني من القرن الثاني عشر أسوأ أنواع الهرطقة، فخلال تلك الفترة أقدم الكاثار على اعتماد طقوس دينية، وعادات غريبة عن بقية العالم المسيحي، حيث آمنت هذه الطائفة بوجود قوتين إلهيتين متصارعتين تجسدت الأولى في إله الشرّ، واعتبرت العالم المادّي من خلق الشيطان، أما الثانية فقد قدست الروح واعتبرتها من خلق إله الخير، وأكدت أن الروح محتجزة في الجسد الذي خلقه الشيطان.

فيما شكك "الكاثار" بما جاء في العهد القديم، وأعادوا النظر بفحوى الكتاب المقدس. إضافة إلى كل هذا اعتمد الكاثار في حياتهم طقوسا غريبة عن المسيحية، حيث حرّموا على أنفسهم الزواج، وملكية العقارات والأراضي.

وحققت "حركة الكاثار" رواجا واسعا بمناطق عديدة من جنوب #فرنسا خلال النصف الثاني من القرن الثاني عشر، وقد بلغ هذا الازدهار أوجه مطلع القرن الثالث عشر.

ويعود السبب في ذلك إلى الدور الهام الذي لعبه حاكم منطقة تولوز الكونت رايموند السادس، والذي عرف بتسامحه الشديد مع الكاثار .

فيما حاولت الدولة البابوية مرات عديدة التصدي لحركة الكاثار عن طريق إرسال عدد من مبعوثيها للمنطقة لمناقشتهم وإقناعهم بالتخلي عن مذهبهم الديني، إلا أن جميع المحاولات لاقت فشلا ذريعا بسبب تمسك الكاثار بمذهبهم وقوة حجتهم.

رسم تخيلي للبابا إينوسنت الثالث و الذي أمر بببدء الحملة الصليبية على الكاثار رسم تخيلي للبابا إينوسنت الثالث و الذي أمر بببدء الحملة الصليبية على الكاثار

وفي حدود سنة 1208، حدث ما لم يكن في الحسبان، فخلال تلك الفترة أرسل البابا موفده الراهب والمحامي كاستيلنو لمناقشة أزمة الكاثار مع الكونت رايموند السادس، وأمام فشل المفاوضات أدان مبعوث الدولة البابوية حاكم منطقة تولوز، متهما إياه بدعم حركات الهرطقة.

وفي طريق العودة نحو روما، تعرض مبعوث الدولة البابوية كاستيلنو إلى عملية اغتيال ناجحة، اتهم رايموند السادس بتدبيرها. ومثلت هذه الحادثة القطرة التي أفاضت الكأس، وعلى إثرها دعا البابا إينوسنت الثالث العالم المسيحي لتنظيم #حملة_صليبية ضد حاكم منطقة تولوز والكاثار.

ولقيت الحملة الصليبية على الكاثار صدا واسعا في العالم المسيحي، فضلا عن ذلك لم تتردد مملكة فرنسا في دعمها بشكل غير مباشر، حيث طالبت الأخيرة كل الدويلات الواقعة تحت نفوذها بدعم جهود البابا الهادفة لإنهاء وجود الكاثار بالجنوب.

وانطلقت "الحرب المقدسة" سنة 1209، واستمرت إلى حدود سنة 1229.

وكانت الحرب الصليبية على "الكاثار" واحدة من أعنف الحروب التي عرفتها القرون الوسطى، وعلى إثر سقوط منطقة بيزييه طالب مبعوثو البابا الصليبيين بإبادة جميع السكان سواء كانوا من "الكاثار" أو المسيحيين الأوفياء مؤكدين "أن الله سيميز بنفسه بين أتباعه والهراطقة".

مع حلول سنة 1215 تمكن حاكم منطقة مونتفورت الكونت سيمون والذي تزعم الحملة الصليبية من الهيمنة على مناطق واسعة من جنوب فرنسا، بما فيها مدينة تولوز عقب حمام من الدماء ، لكن مع بداية صيف سنة 1218 عاد رايموند السادس مجددا ليقود ثورة استعاد بها تولوز مجددا، وخلال حصار المدينة قتل الكونت سيمون عقب إصابته بمقذوف منجنيق.

لوحة زيتية تجسد عملية طرد الكاثار من منطقة قرقشونة سنة 1209 لوحة زيتية تجسد عملية طرد الكاثار من منطقة قرقشونة سنة 1209
لوحة زيتية تجسد عملية حرق عدد من الكاثار لوحة زيتية تجسد عملية حرق عدد من الكاثار

خلال شهر أيار/مايو سنة 1226 قاد الملك الفرنسي لويس الثامن بنفسه الحملة الصليبية على الجنوب، وفي الأثناء وجد الكاثار وأهالي الجنوب أنفسهم في موقف محرج عقب وفاة حاكم تولوز السابق رايموند السادس، وتولى ابنه الرجل الخامل والضعيف رايموند السابع مقاليد السلطة.

وفي حدود سنة 1229 عرفت الحملة الصليبية على الكاثار نهايتها عقب توقيع #اتفاقية_باريس بين رايموند السابع والتاج الفرنسي.

وبموجب هذه الاتفاقية بدأ التمهيد لضم تولوز وبقية أراضي الجنوب لمملكة فرنسا.

وشهدت السنوات التالية من تلك الفترة تجدد المعارك بالجنوب، فضلا عن ذلك لعبت محاكم التفتيش البابوية دورا هاما في مواصلة مهمة القضاء على الكاثار.

واعتبرت الحملة الصليبية على "الكاثار" واحدة من أسوأ الحملات العسكرية وأكثرها دموية خلال العصور الوسطى، حيث قتل خلالها ما لا يقل عن 200 ألف من الكاثار، "بعض المؤرخين تحدثوا عن عدد ضحايا أكبر بكثير ويتجاوز المليون قتيل".

فيما صنّف عدد هائل من المؤرخين المعاصرين هذه الحرب التي استمرت عشرات السنين على أنها عملية إبادة جماعية ضد الكاثار الذين تراجع عددهم بشكل كبير جدا خلال تلك الفترة.

إعلانات