هكذا كادت مصر أن تحصل على أهم معالم الولايات المتحدة

نشر في: آخر تحديث:

يصنف تمثال الحرية الواقع في جزيرة الحرية بنيويورك على قائمة أهم معالم الولايات المتحدة الأميركية، حيث يجسد هذا التمثال بطابعه الكلاسيكي الحديث ضرباً من ضروب آلهات الحرية.

وقدّم هذا التمثال النحاسي العملاق، الذي عمل عليه النحات الفرنسي، فريديريك أوغست بارتولدي، كهدية من فرنسا للولايات المتحدة لتخليد ذكرى استقلال الأخيرة. وقد جاءت عملية افتتاح هذا المعلم التاريخي الهام يوم الثامن والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 1886 بنيويورك، عقب استعراض عسكري حضره العديد من الشخصيات الأميركية البارزة.

لكن قبل الولايات المتحدة، سجّلت فكرة تمثال الحرية ظهورها ببلاد مصر خلال ستينيات القرن التاسع عشر، حيث عرض بارتولدي فكرة إنجاز تمثال مشابه بمصر قبل أن تتبدد طموحاته تدريجياً.

ويعدّ بارتولدي، المنحدر من مدينة كولمار بمنطقة الألزاس، واحداً من أهم النحاتين الفرنسيين، حيث كسب شهرة داخل حدود موطنه في سن مبكرة بفضل إنجازاته الفنية الرائعة.

في حدود عام 1855، قاد النحات الفرنسي، وهو في الـ21 من عمره، رحلة نحو كل من مصر واليمن. وأثناء سفره، تأثر كثيراً بالطابع الثقافي الشرقي وانبهر بتماثيل الأقصر وأبو سمبل العملاقة.

وأواخر ستينيات القرن الثامن عشر وبالتزامن مع قرب انتهاء الأشغال على قناة السويس، عاد بارتولدي مرة ثانية إلى مصر حاملاً معه مخططاً مذهلاً لبناء تمثال عملاق على شاكلة منارة عند المدخل الشمالي لقناة السويس وتحديداً عند منطقة بورسعيد. وبناءً على تصاميمه بارتولدي، كان هذا التمثال العملاق عبارة عن فلاحة مصرية ترتدي ثوباً طويلاً رافعة يدها وحاملة شعلة يخرج منها الضوء لإرشاد السفن. وقد حمل هذا التمثال شعار "مصر تحمل الضوء إلى آسيا".

وعاشت مصر خلال تلك الفترة على وقع بعض الصعوبات الاقتصادية. فعقب اندلاع الحرب الأهلية الأميركية، تعطلت تجارة القطن جنوب أميركا، واستغلت مصر هذا الأمر لتسجل صادرات القطن المصري نمواً سريعاً.

لكن مع نهاية الحرب الأهلية الأميركية عام 1865 وعودة القطن الأميركي للسوق، هوت الأسعار وتراجعت تجارة القطن المصري بشكل تدريجي لتشهد البلاد حينها ضائقة مالية.

وفي تلك الفترة، عرض بارتولدي فكرته على الخديوي إسماعيل طالباً منه تأمين المبلغ الكافي لإنجاح هذا المشروع وتحويله إلى رمز من رموز مصر المعاصرة، إلا أن إسماعيل اعتذر عن الأمر، مؤكداً أن تكلفة التمثال باهظة وأن مصر تمر بأزمة.

وعاد النحات الفرنسي إلى موطنه وهو يجر أذيال الخيبة، بسبب فشل مشروعه في مصر. وجاء ذلك قبل أن ينطلق لاحقاً نحو الولايات المتحدة حيث حصل هناك على فكرة جديدة لإحياء مشروعه السابق بمصر عن طريق بناء تمثال آخر عند إحدى الجزر قرب ميناء نيويورك.

ومن أجل تكريس التقارب الفرنسي الأميركي، وافقت الحكومة الفرنسية على تمويل مشروع هذا التمثال، الذي سمي لاحقاً بتمثال الحرية، حيث تقرر أن يكون هذا المعلم التاريخي هدية من فرنسا للولايات المتحدة احتفالاً بمرور 100 سنة على استقلال الأخيرة.

كما أوكلت إلى المهندس غوستاف إيفل مهمة بناء هذا التمثال، المكون من 350 قطعة، بباريس، قبل إرساله إلى نيويورك. كذلك تكفّل بارتولدي بجمع التبرعات من الأثرياء الأميركيين لبناء قاعدة التمثال، والتي قدّر طولها بنحو 89 قدماً.