عاجل

البث المباشر

ثورة الفلاحين في فرنسا.. بين قطع الرؤوس والإغراق

المصدر: تونس - طه عبد الناصر رمضان

عاشت فرنسا عام 1358 على وقع ثورة الفلاحين، التي اعتبرت تحركاً احتجاجياً للفلاحين والبورجوازيين ضد سياسة النبلاء بالبلاد. وتاريخياً، حملت هذه الثورة اسم "الثورة الجاكية" نسبة لاسم جاك، الذي كان لقباً أطلقه النبلاء على الفلاحين للسخرية من مظهرهم وثيابهم.

وعاشت فرنسا منذ مطلع النصف الثاني من القرن الرابع عشر على وقع تغييرات عديدة هزت البلاد. فبعد أقل من 10 سنوات عن نهاية موجة الطاعون الأسود، الذي تسبب في مقتل نحو ثلث سكان القارة الأوروبية، كسب الفلاحون مكانة هامة بفرنسا، حيث أقبل عليهم البورجوازيون وأصحاب الأراضي عارضين عليهم امتيازات ومكاسب مالية هامة مقابل الاعتناء بالأراضي الفلاحية التي أهملت طيلة السنوات السابقة بسبب الوباء.

رسم تخيلي لعدد من المصابين بالطاعون الأسود رسم تخيلي لعدد من المصابين بالطاعون الأسود

وبالتزامن مع ذلك، عرفت فرنسا، خلال نفس الفترة، تغييرات سياسية هامة بسبب حرب المائة عام. فأثناء معركة بواتييه عام 1356، تلقت فرنسا هزيمة قاسية على يد الإنجليز، الذين سحقوا الجيش الفرنسي وكبدهم خسائر جسيمة لتنتهي الملحمة بوقوع الملك الفرنسي جان الثاني، المعروف بجان الطيب، في الأسر واقتياده نحو لندن. وإثر هزيمة بواتييه عام 1356، كسب النبلاء الفرنسيون سمعة سيئة، حيث اتهموا بالجبن والفرار من أرض المعركة والتخلي عن الملك جان الثاني وإهانة فرنسا.

رسم تخيلي لمعركة بواتييه رسم تخيلي لمعركة بواتييه

وأسفرت كل هذه الأحداث عن تزايد كراهية الفلاحين والبورجوازيين للنبلاء وقد تجسد ذلك من خلال رفض الفلاحين لسياسة الترفيع في الضرائب التي حاول النبلاء إرسائها لتمويل خزينة الدولة ومجهودات الحرب ضد الإنجليز. وسجلت نسبة أعمال العنف بالمناطق الريفية ارتفاعاً مذهلاً، حيث لجأ العديد من الجنود الفرنسيين لبث الرعب بقرى البلاد عن طريق مهاجمة المنازل لنهب ممتلكاتها وقتل مالكيها، ما أدى مرات عديدة لنشوب معارك بين الجنود الذين امتهنوا قطع الطريق والسرقة وأهالي القرى.

كما شهدت العاصمة الفرنسية باريس حدثاً غير مسبوق، حيث قاد رجل من البورجوازيين يدعى إتيان مارسيل ثورة ضد وريث العرش، شارل الخامس، للحد من سلطة الملك وتدخلاته في مجال الضرائب. وإثر ذلك، أجبر وريث العرش على الهرب من باريس بالتزامن مع إقدام الثوار على تحرير ملك نافارا شارل الثاني، الملقب بشارل السيئ، والذي اعتقل خلال فترة الملك جان الثاني.

تمثال يجسد وريث العرش شارل الخامس تمثال يجسد وريث العرش شارل الخامس

وفي الفترة التالية، جمع وريث العرش الفرنسي جيوشه لاستعادة عاصمته من قبضة الثوار، فأمر في 14 أيار/مايو 1358 بتعزيز مواقع جنوده عند القلاع بأقاليم الواز والسان والمارن بهدف محاصرة باريس وتجويعها عن طريق قطع إمداداتها القادمة عبر الأنهار. وأمام هذا الوضع، أرسل إتيان مارسيل عدداً من مرافقيه نحو المناطق الفلاحية القريبة من باريس لينقل إليهم معلومة كاذبة حول تحضير القوات الفرنسية لحملة عسكرية ضدهم بهدف إخضاعهم.

رسم تخيلي لشارل الثاني ملك نافارا رسم تخيلي لشارل الثاني ملك نافارا

وانطلاقاً من هذه الأحداث، اندلعت ثورة الفلاحين بقيادة الجندي السابق المنحدر من قرية ميلو، غليوم كارل. وخلال الأسابيع الأولى، جمعت الثورة آلاف الفلاحين والبورجوازيين الذين تسلحوا بشكل سيئ قبل أن يفرضوا حصاراً على عدد من القلاع.

صورة للملك الفرنسي جان الثاني الأسير لدى الإنجليز صورة للملك الفرنسي جان الثاني الأسير لدى الإنجليز

وفي 9 يونيو/حزيران 1358، تلقى الثوار هزيمة قاسية خلال محاولتهم الهجوم على قلعة مدينة مو لتبدأ عمليات انتقامية قادتها القوات الموالية لوريث العرش، شارل الخامس، ضد الفلاحين انتهت بإحراق العديد من القرى وإبادة سكانها بطرق مختلفة تراوحت بين قطع الرؤوس والإغراق في مياه الأنهار.

رسم تخيلي لعدد من الفلاحين الفرنسيين خلال مهاجمتهم لأحد الفرسان رسم تخيلي لعدد من الفلاحين الفرنسيين خلال مهاجمتهم لأحد الفرسان

وفي غضون ذلك، اصطدم قائد ثورة الفلاحين، غليوم كارل، بقوات ملك نافارا شارل الثاني، الذي تحالف مع النبلاء وتخلى عن ثوار باريس، عند منطقة بوفيزس ليقع أسيراً في قبضته عقب مكيدة نصبت له، حيث راسل شارل الثاني كارل للتفاوض من أجل إنهاء الخلاف. وما إن حل كارل عند شارل الثاني للتفاوض، حتى اعتقلته قوات ملك نافارا ليظل بذلك الفلاحون دون قائدهم، ما دفعهم للاستسلام.

وقمعت ثورة الفلاحين بالحديد والدم وانجرت عنها عمليات انتقامية ضد عدد من القرى، أسفرت عن مقتل ما يزيد عن 20 ألف شخص. كما أعدم قائد الثورة، غليوم كارل، بطريقة مهينة، حيث عمدت قوات شارل الثاني لتتويجه عن طريق وضع قطعة حديدية ملتهبة ذات ثلاثة قوائم على رأسه قبل قطع رقبته.

إعلانات