عاجل

البث المباشر

لماذا أحرقت الكنيسة مترجم الكتاب المقدس للإنجليزية؟

المصدر: تونس – طه عبد الناصر رمضان

خلال الفترة الأولى التي سبقت طلاقه من كاثرين أراغون وزواجه من آن بولين سنة 1533، حافظ ملك إنجلترا هنري الثامن على علاقة طيبة مع الكنيسة الكاثوليكية. وبفضل ذلك، لم يتردد البابا ليون العاشر سنة 1521 في منح هنري الثامن لقب المدافع عن الإيمان.

في غضون ذلك، عرفت هذه العلاقة تدهورا خطيرا بسبب رفض البابا لطلاق هنري الثامن وكاثرين أراغون لتبدأ بذلك القطيعة بين الكنيسة الكاثوليكية وإنجلترا التي شهدت حركة إصلاح ديني غير مسبوقة استمدت الكثير من ركائزها من أعمال باحث ومصلح بروتستانتي إنجليزي عرف بويليام تيندال.

رسم تخيلي لآن بولين
جانب من ترجمة تيندال للعهد الجديد سنة 1525

منذ قرون عديدة، اعتمدت الكنيسة الكاثوليكية على الفولغاتا (Vulgate) كنص رسمي. وقد ظهرت الفولغاتا خلال القرن الخامس على يد القديس جيروم حيث عمل الأخير ما بين عامي 390 و405 على كتابة نصوصها باللغة اللاتينية عن طريق ترجمة نصوص العهد القديم المكتوبة بالعبرية ونصوص العهد الجديد المكتوبة باليونانية. وبسبب اعتمادها كلغة رسمية للكنيسة الكاثوليكية، حظيت اللاتينية بمكانة مركزية لدى الكاثوليك حيث حرّمت الكنيسة عملية ترجمة الكتاب المقدس نحو اللغات الأخرى وخاصة الإنجليزية والتي صنفت حينها كلغة عامّية نطق بها سكان إنجلترا خلال تعاملاتهم اليومية.

وخلال القرن الرابع عشر، ترجم اللاهوتي والمصلح جون ويكليف (John Wycliffe) الكتاب المقدس للإنجليزية. وبسبب عدم اختراع الطباعة حينها، كانت النسخ الإنجليزية من الكتاب المقدس قليلة العدد ومكتوبة بخط اليد كما لقيت صعوبة في الانتشار بسبب سياسة الكنيسة الكاثوليكية التي توعّدت جون ويكليف بالانتقام بعد اتهامه بالهرطقة.

رسم تخيلي للمصلح واللاهوتي جون ويكليف
رسم تخيلي لويليام تيندال

وبعد أكثر من 100 عام على ترجمة جون ويكليف، كانت إنجلترا على موعد مع ظهور شخص ثان حمل على عاتقه مهمة ترجمة الكتاب المقدس للإنجليزية ونشره حيث لم يكن الأخير سوى مصلح ديني عرف بويليام تيندال (William Tyndale) ولقّب من قبل العديد من المؤرخين بأب الكتاب المقدس الإنجليزي.

سنة 1523، طلب ويليام تيندال من أسقف لندن كاثبرت تانستل السماح له بترجمة الكتاب المقدس للإنجليزية حيث آمن هذا المصلح الإنجليزي بضرورة أن يحصل أوفياء الكنيسة الكاثوليكية بإنجلترا على نسخة سهلة من الكتاب المقدس بلغتهم العامة لتسهيل فهمهم للعقيدة المسيحية. في غضون ذلك، اصطدم اقتراح تيندال برفض قاطع من السلطة الدينية بلندن والتي اعتبرت ترجمة الكتاب المقدس عملا مشينا ومخلا بقرارات البابا. وأمام هذا الوضع، فضّل ويليام تيندال مغادرة الأراضي الإنجليزية والتوجه نحو إحدى المدن الألمانية لتحقيق مبتغاه.

رسم يجسد عملية اعدام ويليام تيندال خنقا

سنة 1524، ساند عدد من التجار الإنجليز المصلح ويليام تيندال واصطحبوه على متن أحد القوارب نحو القارة الأوروبية ليستقر الأخير على إثر ذلك بمدينة هامبورغ، بألمانيا حاليا، ويباشر بترجمة العهد الجديد قبل أن ينتقل لمدينة كولونيا ليعثر على مطبعة وافق صاحبها على طباعة العهد الجديد الإنجليزي.

لاحقا، استقر ويليام تيندال بمدينة فورمس الألمانية وأرسل بشكل سري ما يزيد عن 6000 نسخة من العهد الجديد الإنجليزي نحو موطنه الأم. وهنالك، استاءت السلطات الدينية من بداية انتشار هذه الترجمة الإنجليزية فطالبت الأهالي بتسليمها جميع النسخ لحرقها.
مع بداية خلافاته مع الكنيسة الكاثوليكية، عرض ملك إنجلترا هنري الثامن على ويليام تيندال العودة لأرض الوطن واعدا بمنحه منصب مستشار ولكن المصلح الديني رفض ذلك مطالبا بتعميم استخدام النسخة الإنجليزية من العهد الجديد بكامل أرجاء البلاد قبل كل شيء. فضلا عن ذلك، اتجه تيندال للاختباء لدى عدد من التجار بمدينة أنتويرب ليواصل عمله على ترجمة العهد القديم للإنجليزية.

رسم تخيلي لملك إنجلترا هنري الثامن

في الأثناء، أثارت ترجمة الكتاب المقدس للإنجليزية غضب السلطات البابوية التي توعدت بالانتقام من ويليام تيندال. وفي حدود العام 1535، ألقت سلطات الإمبراطورية الرومانية المقدسة القبض على المصلح الديني الإنجليزي عقب خيانة تعرض لها الأخير من طرف أحد مواطنيه.

مكث ويليام تيندال لأكثر من سنة بقلعة فيلفوورد خارج بروكسل وتعرض لأبشع أنواع التعذيب حيث تولى ياكوبوس لاتوموس (Jacobus Latomus) والذي كان مسؤولا بمحاكم التفتيش مهمة التحقيق معه. وعلى إثر إدانته بالهرطقة، أعدم ويليام تيندال يوم 6 تشرين الأول/أكتوبر 1536 أمام الملأ حيث تكفّل الجلادون بخنقه قبل حرق جثته. وعلى منصة الإعدام، نطق ويليام تيندال بآخر كلماته قائلا "آمل أن يفتح الملك عينيه".

صورة لكاثرين أراغون

لعب ويليام تيندال دورا مركزيا في حركة الإصلاح الديني بإنجلترا حيث استغل الملك هنري الثامن إحدى نسخ ترجمته للعهد الجديد لبدء سياسة القطيعة مع الكنيسة الكاثوليكية. فضلا عن ذلك، كانت ترجمة تيندال المرجع الرئيسي لنسخة الملك جيمس لسنة 1611 من الكتاب المقدس والتي اعتمدت من قبل كنيسة إنجلترا.

إعلانات