"حرب الخنزير".. حكاية تجارة كادت تشعل حرباً عالمية

نشر في: آخر تحديث:

قبل حادثة اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند يوم 28 حزيران/يونيو 1914 والتي أدت لاندلاع الحرب العالمية الأولى، عاشت القارة الأوروبية على وقع أحداث ونزاعات زادت في حدة التوتر وتردي العلاقات الدبلوماسية بين القوى العالمية. فإضافة لأزمتي البوسنة وطنجة، وحربي البلقان، وسباق التسلح، ومعضلة إعادة اقتسام العالم بين القوى الاستعمارية، كانت أوروبا مطلع القرن العشرين على موعد مع ما عرف بحرب الخنزير التي تطورت بشكل سريع، وكادت أن تتسبب بما لا تحمد عقباه.

خلال تلك الفترة، مارست القوى الأوروبية سياسة اقتصادية حمائية (protectionism)، حينها عانت مملكة صربيا من تبعية اقتصادية شبه مطلقة لإمبراطورية النمسا المجر. فمع بداية القرن العشرين، كان 80% من الصادرات الصربية موجهة نحو الأسواق النمساوية، في مقابل ذلك استحوذت السلع النمساوية على ما يعادل 60% من الواردات الصربية.

ومقارنة بالمبادلات التجارية ببقية الدول الأوروبية، فرضت النمسا رسوما جمركية مرتفعة على صربيا، ورفضت تخفيفها خلال العديد من جولات المفاوضات.

أمام هذا الوضع، لجأت صربيا للتحرر تدريجيا من تبعيتها الاقتصادية للنمسا، فباشرت خلال العام 1904 بإبرام صفقة مع فرنسا من أجل استيراد الذخيرة الفرنسية، ووقعت خلال العام التالي اتفاقية اتحاد جمركي وتعاون تجاري حر مع بلغاريا.

أثارت التصرفات الصربية غضب النمساويين الذين عمدوا بدورهم لفرض حظر تجاري على الصادرات الصربية، والتي تركزت أساسا على الخنازير، فمنذ بداية القرن العشرين عرفت تجارة الخنازير في صربيا ازدهارا ملحوظا درّ على البلاد أرباحا كبيرة.

إضافة لذلك، حاولت النمسا توجيه ضربة قاضية للاقتصاد الصربي، بمحاولة حرمانه من هذه التجارة المربحة، فروّجت شائعات في كامل أرجاء أوروبا حول إصابة الخنازير الصربية بأمراض مميتة.

ولإنقاذ اقتصادها، ردت صربيا عن طريق تخفيض الرسوم الجمركية المفروضة على القوى الأوروبية، وفتح طريق تجاري بالبحر الأدرياتيكي، لتسارع بذلك فرنسا بالاستثمار في مجال الصناعة الصربية.

كما استغلت الإمبراطورية الألمانية الموقف، وحوّلت السلع النمساوية المرسلة سابقا لصربيا نحو السوق الألمانية، كما اتجهت في الآن نفسه لزيادة حجم تبادلها التجاري مع الصرب.

بحلول العام 1908، عرف الاقتصاد الصربي انتعاشة أثبتت فشل الحصار الذي فرضته النمسا، خاصة مع إقبال الجانبين الفرنسي والبلغاري على استيراد خنازيرها.

في الأثناء، شهدت نفس الفترة تصعيدا خطيرا بين إمبراطورية النمسا المجر والإمبراطورية الروسية، حيث اتجهت الأخيرة لدعم مملكة صربيا اقتصاديا وعسكريا لمواجهة أي عدوان نمساوي محتمل، وكنتيجة لذلك خيّم شبح الحرب على المنطقة لولا تدخل الإمبراطورية الألمانية سنة 1909، وإقدامها على توجيه إنذار للروس هددت من خلاله بتحريك جيشها شرقا في حال عدم توقف الدعم الروسي للصرب.

عرفت هذه الحرب التجارية بـ "حرب الخنزير" نسبة لتجارة الخنازير الصربية، وبفضل التدخل الألماني الذي أجبر الروس على وقف دعمهم للصرب، نجا العالم من حرب عالمية مدمرة كانت ستندلع في حال تفعيل سياسة التحالفات العسكرية القائمة حينها.

في المقابل، لعبت هذه الأحداث دورا هاما في زيادة حدة التوتر بين النمسا وصربيا من جهة، والنمسا وروسيا اللتين سعتا لزيادة حجم نفوذهما بالمناطق السلافية الجنوبية، من جهة ثانية لتكون بذلك "حرب الخنزير" سببا من الأسباب غير المباشرة التي أدت لاندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914.