عاجل

البث المباشر

هكذا نام فقراء لندن بصناديق الموتى وأصيبوا بالكوليرا

المصدر: تونس – طه عبدالناصر رمضان

أثناء العهد الفيكتوري، هيمن البريطانيون على عدد كبير من المناطق حيث امتدت إمبراطوريتهم لتشمل مستعمرات بمختلف القارات وبفضل ذلك لقّب المؤرخون حينها بريطانيا بالإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. وبفضل خيرات الهند والكاريبي وجنوب أفريقيا، كسبت الخزينة الملكية عائدات مالية هائلة كما ساهمت الطرق التجارية ووفرة المواد الأولية في تعاظم ثروات أصحاب المصانع والتجار والأرستقراطيين الذين عاشوا حياة البذخ. وبالتزامن مع هذا المظهر المشرق والمزدهر خلال القرن 19، عرفت المدن البريطانية، وعلى رأسها العاصمة لندن، جانبا قاتما تمثّل في الفقراء حيث عانت الأحياء الفقيرة من انتشار فظيع لمظاهر البؤس وغياب شبه تام للسلطات.

صورة لعدد من متشردي لندن وهم نائمون بصناديق الموتى مقابل 4 بنسات

ومع بداية تحول المجتمع الإنجليزي من الفلاحة للصناعة بفضل الثورة الصناعية، هاجر عدد كبير من سكان المناطق الريفية نحو المدن بحثا عن فرص حياة أفضل. وبدلا من ذلك، اصطدمت النسبة الكبرى من هؤلاء المهاجرين بواقع مرير فوجدوا أنفسهم بالأحياء القصديرية ومشردين في الشوارع لتبدأ بذلك معاناتهم مع الحياة الصعبة للمدينة.

صورة لعدد من الفقراء بالعاصمة لندن

وحسب القوانين خلال العهد الفيكتوري، وافقت سلطات لندن على تأجير عدد من المناطق الغير آهلة للبناء للفقراء لمدة لا تتجاوز 21 سنة ولهذا السبب لجأ الكثير منهم لتشييد منازل عشوائية متلاصقة وآيلة للسقوط افتقرت لجميع مقومات الحياة وغير صالحة سوى للنوم ليلا. وخلال فترات الشتاء، غرقت أرضية هذه المنازل بمياه الأمطار وعانى ساكنوها من البرد وصيفا كانت الحرارة بداخلها لا تطاق. وبسبب ظروف السكن القاسية، تميزت أحياء الفقراء بنسب وفيات مرتفعة مقارنة ببقية مناطق لندن.

صورة لعدد من المتشردين وهم نائمون على الحبل بأحد ملاجئ لندن

وشهدت نفس الفترة انتشار أكثر من ألف ملجأ للمتشردين بلندن. وعلى حسب مصادر تلك الفترة، لم تكن حياة المتشردين، الذين كان جلهم من الأيرلنديين الباحثين عن العمل، داخل الملاجئ أفضل حالا إذ أجبر كثير منهم على تقاسم ساعات النوم على الفراش.

وبالنسبة للملاجئ الرخيصة لم تكن أسرّة النوم متوفرة وبدلا منها وجدت حبال معلقة يلقي فوقها المتشردون النصف الأعلى من أجسادهم ليناموا شبه واقفين. وبالتزامن مع ذلك، سجلت لندن ظهور توابيت الأربعة بنسات والتي كانت نوعا آخر من الملاجئ احتوت على صناديق ذات أرقام شبيهة بتوابيت الموتى بدلا من أسرّة النوم ولقضاء ليلة بهذه الصناديق والنوم بها اضطر المتشرد لدفع معلوم بسيط بلغت قيمته 4 بنسات.

صورة لعدد من الأثرياء خلال تجولهم بأحياء الفقراء تحت حماية الشرطة

وبالأحياء الفقيرة، أجبر الأطفال عند بلوغهم السابعة من العمر على العمل، فبينما امتهن الفتيان تنظيف المداخن والطرقات والمهام الصعبة بالمصانع والمناجم والسرقة والإجرام، اتجهت الفتيات للعمل بمصنع الكبريت والدعارة وقد عمدت المصانع في الغالب لاستغلال هؤلاء الأطفال عن طريق إجبارهم على العمل لمدة تقارب 14 ساعة يوميا مقابل أجور ضئيلة تكفيهم للحصول على بعض الطعام ومأوى لقضاء الليل.

صورة لعدد من الأطفال بالأحياء الفقيرة بلندن
صورة لطفل امتهن تنظيف المداخن بلندن

وكانت نسبة الوفيات مرتفعة بأحياء الفقراء فقد فارق العديد من الأطفال الحياة بسن مبكرة، إما بسبب ظروف الولادة الصعبة وغياب الرعاية الصحية أو بسبب العمل الشاق، كما كانت نسب الانتحار مرتفعة بين الفقراء حيث لجأ العديد منهم لوضع حد لحياته للهرب من قساوة الحياة. أيضا، لجأ المقيمون بالأحياء الفقيرة للاعتماد على مصادر مياه مشتركة للاستحمام والاستعمالات اليومية وفي الغالب كانت هذه المياه ملوثة بمياه الصرف الصحي وقد أدى ذلك لظهور وباء الكوليرا وانتشاره بشكل سريع بالأحياء الفقيرة خلال القرن 19.

صورة لأحد المتشردين بلندن أواخر القرن 19

وخارج الأحياء الفقيرة، شهدت مدينة لندن ظهور نوع جديد من التجارة المربحة، حيث عمد الصحافيون والمؤلفون لكتابة قصص خيالية عن زياراتهم لهذه الأحياء مقدمين وصفا مذهلا حول انتشار أطفال يكسوهم الشعر ويتصرفون كالحيوانات، وجرائم خطف وقتل مرعبة وامتلاء الشوارع بالمخمورين، وقد لقيت هذه القصص اهتمام الطبقات اللندنية الأخرى، حيث أقبل الجميع على اقتناء الجرائد لمطالعة غرائب أحياء الفقراء.

وفي حدود ثمانينيات من القرن 19، أقبل الأثرياء على تنظيم زيارات للأحياء الفقيرة تحت حماية الشرطة، ضمن ما عرف بسياحة الأحياء الفقيرة، للتنزه في أرجائها ومشاهدة حياة سكانها خاصة مع ورود أخبار حول تزايد رهيب لعدد المتشردين، بسبب مشاريع السكك الحديدية التي أدت لهدم العديد من منازل وملاجئ الفقراء.

رسم تخيلي لأحد مصادر المياه المشتركة والملوثة بالعاصمة لندن

وقد أثارت مظاهر الحياة البائسة داخل هذه المناطق اشمئزاز الزوار الذين عبّروا في الغالب عن حزنهم الشديد لمشاهدة تعاسة الأطفال وحالتهم المزرية، وقد شجّع ذلك العديد من فاعلي الخير والجمعيات المسيحية الخيرية على التدخل لمد يد العون لسكان هذه الأحياء بالتزامن مع فشل السياسيين البريطانيين في الوفاء بوعودهم تجاه الفقراء.

رسم تخيلي من داخل أحد الملاجئ بلندن خلال القرن 19

إعلانات