أمّ الفلافل.. عشيقة سرّية على مائدة العرب فما أصلها؟

نشر في: آخر تحديث:

فيما احتفل محرّك البحث العالمي، غوغل، بتاريخ 26 من الشهر الجاري، بأكلة (الفلافل) التي يشتهر بها أهل المشرق، وتسمى الطعمية في مصر، اتجهت الأنظار إلى أقراص (الفلافل) أو (الطعمية) لمعرفة الأصل الذي جاءت منه.

وسواء كانت الفلافل، الطعمية، مكوّنة من مطحون الحمّص، أو مطحون الفول، فإنها كانت "عشيقة سرّية" في لائحة الطعام العربي المدوّن في الكتب القديمة، وأقرب الأكلات إلى ما نسمّيه الآن، فلافل أو طعمية، هي أكلة إنما من زمن الأندلس!

ويؤكد عدد غير قليل من محققي الكتب التراثية، أن هناك عددا كبيرا من كتب الطبيخ العربي، مصنفة في عداد المفقودة، أو أن بعضها لا يزال بحالته كمخطوط. فهل كانت غير موجودة أم إنها كانت أقل من المستوى المطلوب لذائقة العصور القديمة، فأهملها الطباخون وواضعو كتب الطبيخ؟

لا معنى للحمّص!

وفي هذا السياق، ذكر أحد كتب الطبيخ العربي الأندلسي، أن الحمّص لا معنى له في الطبيخ: "والحمّص، فجرمه ما له في أنواع الطبيخ معنىً! وإنما هو في أطعمة البادية" والعبارة مقتبسة من كتاب "الطبيخ في المغرب والأندلس في عصر الموحّدين" لمؤلف مجهول، ويعود تاريخه لتاريخ نسخه، في أول عام 1604، للميلاد، ويرجَّح أن المؤلف عاش الحقبة الأندلسية، قبل سقوط مدنها الكبرى، كقرطبة وإشبيلية.

استعلاء طبقي واضح!

ويذكر ابن العديم، عمر بن أحمد بن هبة الله العقيلي الحلبي، 588-660 للهجرة، في كتابه (الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب) معالجات طبخية للحمّص، وجميعها يكون فيها، عبارة عن إضافة هامشية إلى جانب اللحم، وأغلب ما يرد فيه الحمّص بكتاب ابن العديم، هو ما يفعل به في الشام حالياً إنما من دون طحنه وقليه، كما في الفلافل، على الرغم من أن كتاب ابن العديم، يعود لأول عصر المماليك، لكن الفلافل لم تكن ضمن وصفاته، ولعلّها الطبقية تضرب مرة أخرى، على اعتبار الفلافل لا تتناسب وطبقات المجتمع "العليا" وهو ما يفهم بانتقاد ابن العديم، لأكلة العدس: "تطبخه السوقة وسائرُ الناس، وذكره ها هنا، ما فيه فائدة!"

أقرب وصف للفلافل في أكلة أندلسية!

أقرب شيء يفعَل في الحمّص، مثلما يفعل فيه لو كان بالفلافل، هو أكلة أندلسية، سمّاها الطهاة "إسفريا" وهي مكونة من حمّص مدقوق ومقشور، بعدها يتم طحنه، ثم يتم تخميره كالعجين، ثم يوضع فيه قليل من بيض الدجاج، ثم تضاف بعض أنواع البهارات ثم تضرب جميعاً بالخلط، ثم يتم قَليها! ويوضح المؤلف القديم المجهول لكتاب (الطبيخ في المغرب والأندلس) أن الخليط يُقلى على شكل أرغفة رقيقة، ثم يتم إضافة مرق عليها. وهي أقرب وصفة لما يفعله الشوام، الآن، بالحمّص، حتى بالمرق المضاف.

ويفيد كتاب الطبيخ الأندلسي، عن مصطلح العامّة من الناس، حتى في الأكل، فيطلق اسم "سنبوسك العامّة" على نوع منها.

الفول هامشيّ كالحمّص

سنجد الفول، على لائحة الطعام الأندلسي، إنما الأخضر منه بصفة خاصة، والذي يسلق ثم يقلى في الزيت، بوصفات مختلفة، نراها كلها في كتاب (فضالة الخوان في طيبات الطعام) لابن رزين، علي بن محمد بن أبي القاسم التجيبي الأندلسي، والذي وضع كتابه المذكور ما بين عامي 636 و640 للهجرة. أمّا الحمّص، فسنجده في الكتاب، مسلوقاً، عبر وصفات. ويظهر تعلّق الأندلسيين بالباذنجان الذي يورد المؤلف عنه، وصفات عديدة شهية، وهو عدد وصفات كبير لثمرة كالباذنجان كانت هي "فلافل" ذلك العصر على ما يبدو، إذ يقدم وصفة لما سمّاها (عجّة باذنجان) عبر تقشيره ثم سلقه ثم خلط فتات الخبز معه، ثم إضافة الكزبرة والقرفة والفلفل، ثم خلط جميع المكونات بعضها بالبعض الآخر، ثم "تقلى منه رغف، بزيت حتى تنضج وتحمرّ، واصنَع لها مرقة من خلّ وزيت وثوم".

ويعالج الحمّص، في كتاب طبيخ عربي قديم، هو كتاب (الطبيخ) للبغدادي، محمد بن الحسن بن محمد الكاتب، والذي فرغ من تأليف كتابه سنة 623 للهجرة، ويحوي الكتاب نخبة طعام الطبقة الحاكمة والفئات الثرية.

يتحدث البغدادي عن أكلات مختلفة، كان الحمّص جزءا من مكوناتها الهامشية، كأكلات (أسفيذباجة) و(سفدية) و(شوربا خضراء) من لحم وحمّص مقشور وكراث. وأخرى باسم (ماء وحمّص).

أين هي الفلافل؟

ويؤكد الكاتب المصري، أحمد أمين، أن "الطعمية" اكتسبت اسم الفلافل، بسبب وضع الفلفل فيها، كما قال في كتابه (قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية) وهو ما يتناقض مع ما يروج، أحياناً، عن أصول غير عربية لمعنى كلمة فلافل. مؤكداً أنها طعام "الفقراء" إلى جانب المدمّس، الفول.

ولم يذكر الدكتور مجدي عبد الرشيد بحر، وجود حتى اسم "الطعمية" أو "الفلافل" على قائمة طعام أبناء قرى مصر جمعاء! وفي كتابه (القرية المصرية في عصر سلاطين المماليك 1250-1517م) ذكر المؤلف جميع أصناف الطعام التي كان أبناء قرى ذلك العصر يتناولونها في الريف والصعيد، وكان من أشهرها: الفسيخ، الكشك، البيسار (فول مخلوط بالملوخية)، عدس بجبنة، فول مدمس، الخبيزة، الويكا، القلقاس، البليلة، وأكلات أخرى كثيرة، إلا أن الطعمية/الفلافل لم تكن واحدة منها، ولم يأت الكتاب على ذكرها.

وقامت وزارة الأبحاث الألمانية، وبالتعاون مع المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت، بتحقيق كتاب تراثي عربي عن الطبيخ باسم (كنز الفوائد في تنويع الموائد) وطبعته عام 1993، على نفقتها، ويعتبر الكتاب تحفة مطبخية كاملة من زمن العصور الوسطى، ويشتمل على أساليب الطبيخ وأسماء الأكلات، وصناعة منظّفات اليد والمخللات ووصايا نظافة الطهاة، وأنواع المعطرات والحلويات، إنما بدون ذكر الفلافل.

هل نعثر على الفلافل في معاجم اللغة العربية؟

في كتاب (المحكم في أصول الكلمات العامية) لعضو المجمع العلمي (اللغوي) المصري، الدكتور أحمد عيسى بك، والصادر عام 1939م، يوجد تعريف لأكلة المِش المصرية الشهيرة، والمهلبيّة، وغيرهما، لكن لم يكن هناك أي أثر لكلمتي طعمية أو فلافل، أيضاً.

وكذلك لم ترد الفلافل، في (قاموس ردّ العامي إلى الفصيح) للشيخ أحمد رضا، إلا أن الطعمية وردت، إنما بلفظها "الطُّعمِيّة" وعرِّفت بالتالي: "والطعمية عندهم ما يأخذه المشتري زيادة عما جرى السوم عليه" أي المساومة. ولم ترد الكلمتان في معجم اللبناني الأمير شكيب أرسلان (1869-1946م) والمعروف بـ(القول الفصل في رد العامي إلى الأصل) ولا في كتاب متأخر للغاية، عن تصويب العاميات في اللغة، وهو (بحر العوام فيما أصاب فيه العوام) لابن الحنبلي، محمد بن إبراهيم بن يوسف، والمتوفى سنة 1785 للميلاد.

آخر ثلاثة معجمات عربية لا ذكر للفلافل فيها

وردت كلمة "الفلافل" في تاج العروس لمرتضى الزبيدي (1732-1790) للميلاد، وعرّفها بقوله: "فلافل السودان، حَبٌّ مستديرٌ أملس".

ثم لم يأت على ذكر الفلافل أو الطعمية، علماً أنه مات في القرن الثامن عشر الميلادي، وهو صاحب آخر أكبر معجم عربي، على الإطلاق. مع الإشارة إلى أن الزبيدي، عاش أغلب سنين عمره في مصر ومات فيها.

بعد ثلاثين سنة من وفاة صاحب تاج العروس، ولد المستشرق الهولندي الكبير رينهارت دوزي (1820-1883) للميلاد، وهو صاحب أحد أهم المعجمات العربية الحديثة، وهو (تكملة المعاجم العربية) والذي خلا بدوره من أي إشارة للفلافل، وعندما جاء الدور على كلمة "طعمية" فقد عرفها بكلمة واحدة هي: "مذاق!" وحسب.

مات دوزي، في العام الذي مات فيه اللغوي اللبناني بطرس البستاني (1819-1883) وقام البستاني بوضع معجم هام للغة العربية اسمه (محيط المحيط) سعى فيه لإدخال مزيد من الكلمات الجديدة العصرية والتي لم تكن لا الفلافل ولا الطعمية، واحدة منها، أيضا!

للفلافل أُمّ.. وهذه هي!

وكان للأديب العلامة المصري الكبير، أحمد تيمور والمتوفى سنة 1930م، الفضل في اللغة العربية، بإدراج اسم الطعمية والفلافل، معاً، وعرّفنا بأن اسمها الأصلي هو "أُمّ الفلافل" في معجمه الشهير (معجم تيمور الكبير في الألفاظ العامية) حيث عرّف الطعمية بالتالي: "طعميّة، وكنيتها أُمّ الفلافل" ثم ينقل زجلا لأحد شعراء العامية في صعيد مصر يدعى الشيخ عبد الله لهلبها، يقول في أم الفلافل:

حين فارق المال كفّي

دبّرت للصرف حيلةْ

وأُم الفلافل تكفّي

للّي فلوسه قليلةْ!

ويظهر من خلال هذا الزجل، أن الفلافل/الطعمية، صورة بائسة من صور طعام الفقراء والمعوزين في جميع مناطق العرب، وهذا هو السرّ بإهمال تلك الأكلة المضطهدة التي يتبارى الجميع الآن على ادّعاء وصلها! بعدما تم التعامل معها، كعشيقة سرّية، لا يتم الاعتراف العلني بها، إلا عندما تحولت إلى أكلة عالمية مشهورة، واحتفى بها غوغل، فهجم الجميع على الجميع، لزعم نسبتها إليه، ليتبين أن للفلافل أُمّاً منسيّة، هي الطعمية المصرية.