عاجل

البث المباشر

هكذا حاول الألمان طرد السوفيت فتحولت برلين لبركة دماء

المصدر: تونس - طه عبد الناصر رمضان

منذ خمسينيات القرن الماضي، سار الألمان بخطى ثابتة على طريق التخلص من النظام الشيوعي وتوحيد البلاد. فبعد نحو 8 سنوات فقط على نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمتهم وتقسيم بلادهم إلى جزأين بين القوى المنتصرة، انتفضت ألمانيا الشرقية ضد حزب الوحدة الاشتراكي الألماني، المعروف أيضاً بالحزب الشيوعي لألمانيا الشرقية، والسياسة السوفيتية بالمنطقة، لتشهد البلاد إثر ذلك احتجاجات عمالية انتهت بحمام دم عقب تدخل الجيش السوفيتي.

ففي أيار/مايو 1952، وقعت ألمانيا الغربية، مع عدد من دول المعسكر الغربي، جملة من الاتفاقيات الدفاعية والأمنية، فضربوا بذلك عرض الحائط اقتراح القائد السوفيتي، جوزيف ستالين، الذي عرض، في وقت سابق، توحيد ألمانيا ونزع سلاحها. وتزامناً مع انضمام ألمانيا الغربية للمعسكر الغربي وإعادة تسليحها، اتجه ستالين بمساعدة سكرتير حزب الوحدة الاشتراكي الألماني، فالتر أولبريشت (Walter Ulbricht)، لنقل النموذج السوفيتي لألمانيا الشرقية وجعلها دولة حليفة.

جوزيف ستالين
فالتر أولبريشت

وفي خضم سياسة التحول الستالينية بألمانيا الشرقية، حاول أولبريشت إنشاء بلاد خالية من الملكية الخاصة للمصانع ووسائل الإنتاج وإرساء قواعد الزراعة الجماعية وزيادة حجم الصناعات الثقيلة.

وبسبب هذه السياسة، عرفت ألمانيا الشرقية نقصاً حاداً في الغذاء ما بين شتاء وربيع عام 1953. كما أرست سلطات البلاد نظام الخدمة العسكرية الإجبارية ولاحقت المعارضين ورجال الكنيسة وأغلقت الكنائس، فزادت من غضب الرأي العام، حيث تجسد ذلك من خلال تزايد أعداد المهاجرين نحو ألمانيا الغربية عبر برلين الغربية.

ولجأ نظام أولبريشت لاحقاً لفرض رقابة على المنظمات العمالية وتشديد القوانين المالية والاقتصادية، فسجلت نسبة الضرائب ارتفاعاً ارتفعت معه الأسعار. ولزيادة الإنتاجية بالبلاد، عمد نظام أولبريشت لزيادة عدد ساعات العمل اليومية دون الترفيع في أجور العمال وهدد بمعاقبة كل من يتخلف عن ساعات العمل الإضافية.

وعقب وفاة جوزيف ستالين، حاول المسؤولون السوفيت في نيسان/أبريل 1953 كبح جموح نظام أولبريشت، الذي اتجه لتطبيق مزيد من الإجراءات الصارمة لفرض قيود اشتراكية بالبلاد، فعرضوا عليه إلغاء السياسة السابقة وتعويضها بسياسة أخرى سميت بالمسار الجديد. وفي الأثناء، رفض فالتر أولبريشت وحلفاؤه تطبيق هذه السياسة بألمانيا الشرقية واعتبروها استسلاماً للمعسكر الغربي.

صورة لدبابة سوفيتية بمدينة ليبزغ الألمانية أثناء الاحتجاجات
صورة لأحد أهالي برلين الشرقية أثناء محاولته تسلق إحدى الدبابات السوفيتية

وفي 16 حزيران/يونيو 1953، اندلعت احتجاجات بالجزء الشرقي لبرلين، حيث أضرب المئات من عمال البناء وتظاهروا بالشوارع احتجاجاً على زيادة النظام الشيوعي بالبلاد لعدد ساعات العمل. وفي اليوم التالي، امتدت الاحتجاجات لتشمل مئات المدن بألمانيا الشرقية، حيث نزل نحو مليون شخص للشوارع مطالبين بإسقاط النظام الشيوعي وتنظيم انتخابات حرة. وأمام هذا الوضع، فضّل الاتحاد السوفيتي التدخل حفاظاً على مصالحه، فأعلن حالة الطوارئ وأقحم جنوده بألمانيا الشرقية لإنهاء الاحتجاجات.

ومساء 17 حزيران/يونيو 1953، انتشر ما يزيد عن 20 ألفاً من القوات السوفيتية مدعومين بالدبابات والشرطة الشعبية الألمانية، ببرلين الشرقية وكبرى المدن. وبساحة بوتسدامر (Potsdamer Platz) ببرلين الشرقية، فتحت الرشاشات والدبابات السوفيتية نيرانها تجاه المحتجين، متسببة في سقوط عدد كبير من القتلى. كذلك شهدت عدد من المدن الأخرى مواجهات دامية انتهت بانسحاب المتظاهرين وعودة الأمن.

صورة لإحدى الدبابات السوفيتية ببرلين الشرقية أثناء الاحتجاجات

وبينما تحدثت وسائل إعلام ألمانيا الشرقية والاتحاد السوفيتي عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، نقلت ألمانيا الغربية، في السنوات التالية، تقارير أكدت من خلالها مقتل 513 شخصاً وإصابة 1838 أثناء الاحتجاجات وإعدام السلطات السوفيتية لأكثر من 100 آخرين ممن اتهموا بتدبير الاحتجاجات وسجن الآلاف عقب محاكمات صورية. واتجه الجيش السوفيتي لإعدام عدد من جنوده، الذين شاركوا بقمع الاحتجاجات، بسبب رفضهم إطلاق الرصاص تجاه المتظاهرين.

الرئيس الأميركي دوايت ايزنهاور

وأدان العديد من القوى العالمية عملية قمع الاحتجاجات بالحديد والدم من طرف السوفيت. وأكد الرئيس الأميركي، دوايت أيزنهاور، دعمه للمحتجين، معلناً عن برنامج غذائي قيمته 15 مليون دولار لدعم ألمانيا الشرقية وتزويدها بالفاصوليا والحبوب والحليب انطلاقاً من الجزء الشرقي لبرلين. وقد نجح برنامج أيزنهاور في توزيع 5 ملايين علبة غذاء على ما يعادل مليون مواطن من ألمانيا الشرقية، قبل أن يقدم نظام أولبريشت على قطع خطوط السكك الحديدية والطرقات بين الجزأين الشرقي والغربي لبرلين لوقف تدفق المساعدات.

إعلانات