عاجل

البث المباشر

يوم أضحى السل "موضة قاتلة".. فتكت بالمئات في إنجلترا

المصدر: تونس - طه عبد الناصر رمضان

تصنّف الفرنسية ماري دوبليسيس (Marie Duplessis) كواحدة من أشهر النساء الأوروبيات خلال النصف الأول من القرن 19. فبفضل جمالها وعلاقاتها العاطفية، كسبت الأخيرة مكانة هامة فخلّدها الرسام الفرنسي إدوارد فينو (Édouard Viénot) بلوحة شهيرة أظهرت شعرها الأسود اللامع ووجهها البيضوي الشكل وعينيها المشعّتين بالحياة وبشرتها ذات اللون العاجي. لكن لم تدم حياة هذه الجميلة الفرنسية طويلاً حيث توفيت ماري دوبليسيس يوم 3 شباط/فبراير 1847 عن عمر يناهز 23 سنة فقط بسبب مرض السل الذي أنهك القارة الأوروبية.

لوحة تجسد الفرنسية ماري دوبلسيس

موضوع يهمك
?
مع تزايد حدّة التوتر على الساحة الأوروبية بسبب التجاوزات الألمانية وخرق النازيين لبنود معاهدة فرساي واجتياح الإيطاليين...

بشوكولاتة كالبطاطس.. انتصرت أميركا في الحرب العالمية الأخيرة

فبحلول منتصف القرن 19، بلغت نسبة الوفيات بسبب هذا المرض مستويات قياسية بكل من أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية. وعلى حسب مصادر تلك الفترة، كان السل وراء ربع الوفيات السنوية. وقبل تطور العلم واكتشاف المضادات الحيوية والعلاجات الطبيعة لهذا المرض، آمن الأوروبيون بالطبيعة الوراثية لهذا المرض وإمكانية تفشيه حسب نظرية الميازما (miasma) والهواء الملوث حيث يهاجم المرض رئتي المصاب قبل أن يمتد تدريجياً نحو بقية أعضاء الجسم ويسبب الوفاة. لكن قبل ذلك، تظهر على المريض أعراض جسدية تستمر لسنوات تتراوح بين فقدان الشهية وانخفاض الوزن والتعب والخمول واحمرار الخدين وتحوّل لون الجلد والبشرة للشاحب.

كان للسل خلال تلك الفترة تأثير كبير على المجتمعات الأوروبية وقد تجسّد ذلك أساساً بإنجلترا خلال العهد الفيكتوري (نسبة للملكة فيكتوريا الأولى) حيث صنّفت الأعراض المبكرة لمرض السل ضمن قائمة أبرز معايير الجمال لدى نساء الطبقة الثرية. وانطلاقاً من ذلك، اتجهت العديد من النساء للتشبه بمرضى السل فامتنع بعضهن عن الأكل واتجهن لتنحيف خصرهن بشكل مثير للدهشة عن طريق ارتداء الكورسيهات (Corsets) وتزامن ذلك مع انتشار واسع للفساتين الضيّقة عند مستوى الخصر وذات الجزء السفلي الواسع والطويل. أيضا، اتجهت النساء لاستخدام مساحيق التجميل لتوضيح وتلميع بشرتهن وإضفاء اللون الوردي على خدودهن.

صورة للملكة فيكتوريا
رسم تخيلي لعدد من النساء اللواتي قلّدن موضة العهد الفيكتوري
لوحة تخيلية تجسد موضة العهد الفيكتوري النسائية

على مدار عقود، اقتبست معايير الجمال خلال العهد الفيكتوري من مظاهر اعتلال الصحة التي سببها مرض السل واستمر ذلك لحدود أواخر القرن 19 حيث تمكّن الطبيب وعالم البكتيريا الألماني روبرت كوخ (Robert Koch) سنة 1882 من اكتشاف الجرثومة المسببة لمرض السل خلال فترة عرفت ثورة طبية تزامناً مع بداية زوال نظرية الميازما وانتصار نظرية جرثومية المرض. وبفضل هذا الاكتشاف، أقنع روبرت كوخ أطباء تلك الفترة بأن مرض السل معد لتظهر لاحقاً العديد من إجراءات السلامة والوقاية الصحّية للحد من انتقال العدوى.

صورة للطبيب الألماني روبرت كوخ

وبكل من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، اتجه الأطباء لمهاجمة معايير الجمال وموضة العهد الفيكتوري واتهموها بتسهيل انتشار السل فأمروا بتقصير طول تنانير النساء لمنع انتقال العدوى حيث أكّد خبراء الصحة على قدرة التنانير الطويلة على كنس الأوساخ والجراثيم بالطرقات ونقلها للمنازل. كما أمر الأطباء بمنع ارتداء مشدات الخصر النسائية واتهموها بتعكير صحّة المصابين بالسل عن طريق تعطيل حركة التنفس والدورة الدموية. أيضاً، طالب الأطباء الرجال بحلق لحاهم وإنهاء هذه الموضة التي انتشرت بشكل واسع منذ حرب القرم حيث صنّفت اللحية حينها كعشّ للجراثيم والأوساخ.

صورة لنوع من اللحى خلال القرن 19
صورة لنوع من اللحى اللتي كانت منتشرة أواخر القرن 19

وعلى الرغم من كل هذه القواعد والنصائح التي قدّمها الأطباء، استمر تطبيق معايير الجمال الفيكتورية بضعة عقود أخرى قبل أن يعرف نهايته بشكل تدريجي خلال فترة ما بين الحربين.

إعلانات