يوم دخل الفرنسيون البرلمان وأعدموا نواباً وصفوا بالخونة

نشر في: آخر تحديث:

في 2 يونيو/حزيران 1793 تجمّع نحو 80 ألفا من أهالي باريس الغاضبين أمام مبنى المؤتمر الوطني الفرنسي للمطالبة باعتقال النواب الجيرونديين، الذين تزعّمهم كل من جاك بيار بريسو (Jacques Pierre Brissot) وبيار فكتورنيان فيرنيو (Pierre Victurnien Vergniaud). وجاءت هذه الواقعة التي لقّبها عديد من المؤرخين بانتفاضة دائرة باريس لتزيح بالقوة شقا سياسيا هاما بفرنسا نعته معارضوه بالخائن.

وظهرت تسمية الجيرونديين (Girondins) نسبة لإقليم الجيروند، الذي انحدر منه عدد هام من نواب هذا الشق السياسي. وأثناء السنوات الأولى للثورة، لعب الجيرونديون دورا هاما في تحقيق مطالب الشعب الفرنسي، فساهموا في إرساء الجمهورية وصوتوا على قرار إعدام لويس السادس عشر، وطالبوا بخوض غمار حرب ضد القوى الأوروبية التي هددت باريس.

لكن أواخر العام 1792، ظهرت الخلافات السياسية بين النواب الجيرونديين وحلفائهم السابقين الجبليين (montagnards)، الملقبين كذلك بسبب حيازتهم على المقاعد العليا بمبنى المؤتمر الوطني، وانتهت بزوال الشق السياسي الأول وهيمنة الأخير على زمام الأمور.

نظام لا مركزي وفيدرالي

وعقب معركة فالمي (Valmy) التي انتهت بانتصار الفرنسيين على البروسيين والنمساويين يوم 20 أيلول/سبتمبر 1792، اتجه الجيرونديون لوقف حملات الاعتقال والإعدام التي طالت كثيرين ممن اتهموا بالتآمر على البلاد. كما حاولوا جاهدين تقويض سلطة باريس على فرنسا عن طريق اعتماد نظام لا مركزي وفيدرالي شبيه بذلك الموجود بالولايات المتحدة الأميركية.

وبحلول ربيع عام 1793، تلقت فرنسا العديد من الهزائم العسكرية فخيّم بذلك شبح الغزو ونهاية الثورة على البلاد. وبسبب ذلك، اتجه المؤتمر الوطني الفرنسي لبعث محكمة ثورية ولجنة السلامة الوطنية. وبينما فضّل الجيرونديون اعتماد سياسة وسطية وتجنّب جرّ البلاد نحو دوامة عنف، تخوّف الجبليون من زوال الجمهورية فلجأوا لاعتماد سياسة دراكونية أرسلت كثيرين نحو الموت.

وأدى كل ذلك لتزايد حدّة الخلاف بين الجيرونديين والجبليين، الذين حصلوا تدريجيا على تأييد دائرة باريس ونادي اليعاقبة ذي النفوذ السياسي الهام بالبلاد. وخلال الأشهر التالية، تزايدت عزلة الجيرونديين خاصة مع تمرير جملة من القوانين الاقتصادية التي تعارضت مع مواقفهم وهدفت بالأساس لزيادة نسبة تديّن الدولة الفرنسية.

فضلا عن ذلك، عجزت هذه الفرقة السياسية عن جمع مناصرين لها بباريس، إذ ساند الباريسيون مجموعة الجبليين التي ضمت في صفوفها وجوها بارزة كجورج دانتون وجان بول مارات وماكسيمليان روبسبيار.

وفي سعي منهم لتدارك الأمر واستعادة السيطرة، حاول الجيرونديون توجيه لائحة اتهام ضد عدد من النواب الجبليين، وعلى رأسهم جان بول مارات. ففشلوا في ذلك، حيث برأت المحكمة الأخير وأعادته مرة ثانية للمؤتمر الوطني لتبدأ عقب ذلك عملية التخلّص من الجيرونديين.

ضربة قاضية للجيرونديين

وبمساعدة أنصارهم، نظّم الجبليون يوم 31 أيار/مايو 1793 انتفاضة أولى بباريس أدت لحلّ جمعية الاثني عشر التي كوّنها الجيرونديون لملاحقة خصومهم من الجبليين. ويوم 2 يونيو/حزيران من نفس السنة، وجّه الجبليون الضربة القاضية للجيرونديين، حيث تجمهر نحو 80 ألفا من أهالي باريس والحرس الوطني أمام المجلس أثناء تواجد النواب بداخله وطالبوا بفتح الأبواب لملاحقة عدد من النواب الذين صنّفتهم دائرة باريس كخونة.

وأمام تهديدات قائد فرقة الحرس الوطني فرانسوا هانريو (François Hanriot) باستخدام المدافع لدك المجلس الوطني، رضخ النواب وسمحوا للأهالي والجنود بدخول المقر، فاجتاحت بذلك الجماهير الباريسية المسلّحة بالرماح والبنادق المجلس وأجبرت النواب المنتخبين على العودة لمقاعدهم.

وفي خضم هذه الأحداث، أجبر رئيس المجلس على قراءة ورقة احتوت على أسماء عدد من المتهمين، وأسفرت عن اعتقال 22 نائبا جيرونديا كان من ضمنهم عدد من الوجوه الثورية البارزة. وخلال الأسابيع التالية، خضع هؤلاء النواب، برفقة عدد آخر من زملائهم، للمحاكمة فوجهت إليهم تهم بالتخابر مع أطراف أجنبية والتآمر على الثورة والسعي لتقسيم البلاد لتصدر في حقهم أحكام بالإعدام عن طريق المقصلة تم تنفيذها يوم 31 تشرين الأول/أكتوبر 1793.