"الأب الأبيض".. جنرال تنكرت له روسيا فقدسته الباراغواي!

نشر في: آخر تحديث:

عقب خسارتهم للحرب الأهلية الروسية، وانتصار الشيوعيين مطلع عشرينيات القرن الماضي، فرّ العديد من كبار قادة الجيش المعارضين للنظام البلشفي نحو دول أجنبية، وبينما استقر البعض بدول أوروبا الغربية، فضّل البعض الآخر عبور الأطلسي نحو الولايات المتحدة الأميركية، وقد عرف جلّ هؤلاء حياة بائسة بعد السنوات التي قضوها في خدمة روسيا أثناء الحرب العالمية الأولى، عمل من كان أفضلهم حظاً مساعدين بجيوش الدول التي انتقلوا إليها، بينما حصل البقية على وظائف أخرى كسائقي سيارات أجرة، وآخرون منهم عاشوا فترات سيئة جعلتهم من مدمني الكحول وقادتهم أحيانا نحو الانتحار.

وعرف الجنرال الروسي إيفان بيلياييف (Ivan Beliaïev)، المعروف أيضا بجوان بيلياييف، مستقبلا زاهرا، فبعد نهاية الحرب، انتقل الأخير إلى الباراغواي محاولا تأسيس روسيا جديدة فيها، ودرس أيضا تاريخ السكان الأصليين بجنوب القارة الأميركية، حيث تحوّل هنالك لبطل قدّسه كثيرون.

ولد إيفان بيلياييف سنة 1875 لعائلة عمل جلّ أفرادها بالجيش الروسي وبناء على ذلك التحق الأخير بقوات القيصر واختص في مجال المدفعية.

أثناء فترة الحرب العالمية الأولى، خدم بيلياييف روسيا، وأصيب مرات عديدة كان أخطرها إصابة عند مستوى الرقبة عندما اخترقت رصاصة عنقه دون أن تلحق أضراراً بعموده الفقري وبقية الأعضاء الحساسة، لينجو بذلك من موت محقق.

وأثناء تواجده بمستشفى سانت بطرسبرغ، التقى بيلياييف بألكسندرا زوجة القيصر التي لم تتردد لحظة واحدة في ترقيته لرتبة جنرال تكريما له على شجاعته.

ومع خروجهم من الحرب العالمية الأولى، انقلب الروس على بعضهم وانقسموا بين مساند للبلشفيين ومعارض لهم، وفي خضم هذه الأحداث التحق بيلياييف بالجيش الأبيض، وقاتل لصالح قوات القيصر قبل أن يجبر على مغادرة البلاد عقب انتصار البلشفيين مطلع العشرينيات، فانتقل بادئ الأمر نحو أوروبا الغربية قبل أن يغير وجهته نحو الباراغواي التي قرأ كثيرا عن سكانها في طفولته.

بالتزامن مع ذلك، ظهرت بباريس صحيفة حملت اسم باراغواي أسسها هذا الجنرال السابق دعا من خلالها الروس للهجرة نحو الباراغواي وترك أوروبا الغربية التي تنكرت لهم في حربهم مع البلشفيين.

في الأثناء، عانت الباراغواي من نقص فادح في عدد السكان وتأخر تكنولوجي وثقافي حيث تسببت حرب التحالف الثلاثي ما بين عامي 1864 و1870 في تدمير جزء كبير من البلاد.

ولهذا السبب رحّبت الأخيرة بالوافدين الروس وخاصة العسكريين منهم أملا في تحسين قدرات جيشها والاستفادة من خبرتهم.

وسنة 1924، انضم بيلياييف لجيش الباراغواي برفقة 12 مسؤولا سابقا بجيش القيصر الروسي، وتحوّل تدريجيا لعالم ومكتشف بهذا البلد، حيث قاد 13 رحلة استكشافية نحو منطقة غران تشاكو (Gran Chaco)، والتقى بالسكان الأصليين المنتمين لشعب الماكا (Maká) الذين سكنوا هذه المنطقة فارتبط بعلاقات طيبة معهم وساعدهم في الحصول على ملابس معاصرة، وعلى تحسين وضعهم.

كما اتجه أيضا لدراسة ثقافتهم وتقاليدهم فتحول لجسر ربط بين هؤلاء السكان الأصليين والسكان ذوي الأصول الأوروبية الذين قطنوا بالمدن.
بسبب كل ذلك، أحبّ السكان الأصليون المنتمون لشعب الماكا إيفان بيلياييف ولقّبوه بـ"الأب الأبيض".

لم تتوقف إنجازات بيلياييف عند هذا الحد، فعلى الرغم من فشله في تكوين مجتمع روسي بالباراغواي بسبب قلّة عدد المهاجرين الروس، قاتل بيلياييف لصالح الباراغواي بحربها ضد بوليفيا ما بين عامي 1932 و1935 وساهم رفقة عدد من زملائه الروس السابقين وشعب الماكا في صناعة نصرها بعد أن واجه المرض والموت مرات عديدة.

طيلة ما تبقى من حياته، لم يعد إيفان بيلياييف لبلاده الأم روسيا وفارق الحياة بالباراغواي مطلع العام 1957.

ومع وفاته، نقل شعب الماكا جثّته نحو منطقتهم حيث أنشأوا له ضريحا وقدّسوه كإله بعد موته.