لا عزاء للرجال.. توقعات الأبراج على ألسنة النساء

نشر في: آخر تحديث:

على عتبة نهاية العام الحالي، ومطلع العام الجديد، كما كل سنة، تكثر برامج التنجيم والأبراج والتوقعات، وتمتلئ الشاشات بنجمات التنجيم العربيات، بصفة أساسية، أكثر من المنجمين الرجال الذين بدأ "نجمهم" يأفل في هذا الحقل، بعد زمن كانوا فيه، هم الذين يتصدرون المشهد، خاصة في عصر الخلافة العباسية ومرحلة الأندلس.


والتنجيم مهنة قديمة جداً، ظهرت من قبل الأديان السماوية، واستمرت بعدها. على الرغم مما يدور حولها، من شبهات وتشكيك، إلا أن عامة الناس، في الغرب والشرق، يهربون نحو الفضاءات التي يرسمها لهم المنجّم، فيحزنون أو يفرحون، يتخذون قراراً أو يمتنعون عن اتخاذه.

وينتشر التنجيم في العالم العربي، منذ فترة، على الفضائيات، لما لهذا النوع من البرامج شعبية واسعة، عند فئة غير قليلة من المشاهدين. وتحتل النساء المنجّمات، شاشات الفضائيات العربية، مع العلم أن التنجيم في الدولة العربية منذ العصر العباسي، كان يتم على يد الرجال، بحسب الإخباريين العرب ومصنفات التراجم، إلا أن السنوات الأخيرة، شهدت إزاحة الرجال، بنسبة كبيرة، على الرغم من وجود بعضهم، فإن الغلبة، الآن، للنساء المنجّمات، بشكل واضح.

منجّمات

ومن أشهر المنجّمات أو ما يعرفن بقارئات وخبيرات الأبراج، أو يقال عنهن مجازاً، فلكيات، هي ماغي فرح، ويصدر لها كتاب في أول كل سنة جديدة، يتضمن توقعات الأبراج، تحت عنوان عريض تضعه ملامح عامة لكل سنة، فوضعت لعام 2019 عنواناً هو "آمال تجول وآلام تزول" والعام الذي سبقه وضعت هذا العنوان: "هزّات أمنية واقتصادية" فيما كان عنوان كتابها عام 2017 هو "طريق شاقة نحو السلام" وفي عام 2016 "بصيص نور بعد الظلام". ورأت أن العام القادم، 2020، سيشكل سنة مصيرية ستطبع العصر كله والسنوات الـ 25 القادمة، وتقول إن الحدث القادم في السنة الجديدة، قد لا يأتي مرتين ونحن على قيد الحياة.


سيطرة النساء على مشهد التنجيم، تعكسه فضائيات عربية متعددة، فهناك خبيرة الأبراج المشهورة، كارمن شمّاس، وليلى عبد اللطيف، وعبير فؤاد، وميسون منصور، وأميرة عبد السلام، وجمانة وهبي، ووفاء حبيب، وجمانة قبيسي، وسابي، وسناء القيسي، وأم عبد الله، وأخريات.

وينقل ابن خلدون (732-808) في مقدمته، من بطليموس الذي سبق وترجم له العرب، أن علم النجوم أو ما يسميه صناعة النجوم "ظنّيٌّ، نافياً أن يكون للنجوم، هذا التأثير في أقدار الناس.

ويرجّح ابن خلدون، فرضيات الحدس والتخمين والشك والظن، في أحوال المتكلمين بتأثيرات النجوم، وكذلك يبطل ابن خلدون كل التنبؤات المرتبطة بالنجوم، كما في مقدمته التي أفرد فيها باباً لهذا الموضوع وسمّاه "في إبطال صناعة النجوم وضعف مداركها وفساد غايتها".

منجّمون رغم النهي

لكن موقف ابن خلدون القاطع، بعدم الاعتراف بعلم ما سمّاه صناعة النجوم، لم يكن كذلك في تاريخ الدولة العربية، في بغداد. إذ كان المنجّمون جلساء خلفاء بني العباس، وكان بعض هؤلاء المنجمين قادرين على تعكير مزاج الخليفة، إذا نجّم له بسنة موته! ويورد ابن خلكان في وفياته، حادثة عن الخليفة الرشيد الذي كان "مغموماً" لأن منجماً كان قال إن الخليفة سيموت في هذا العام. وكذلك يؤكد أن وزير هارون الرشيد، جعفر البرمكي، كان جمع المنجّمين ليختاروا الوقت المناسب لينتقل إلى قصره الجديد، فاختاروا له ساعة معينة، ليلاً. ففعل!

وتحفل كتب التراجم العربية، بعشرات المنجمين الذين لازموا خلفاء العباسيين، الذين كان كثير منهم لا يتخذ أي قرار مركزي، إلا باستشارة المنجّم.

وبحسب المستشرق الاسباني خوان فيرنت، في كتابه المشهور (فضل الأندلس على ثقافة الغرب) فإن العرب لم ينقلوا الفلسفات والعلوم، وحسب، إلى القارة الأوروبية، في العصر الأندلسي، من خلال ترجماتهم التي حفظت الإرث اليوناني الواسع والعريق، بل حفظت للغرب مرجعية "التنجيم" أيضاً.

وقال إن الترجمات في علم التنجيم كانت كثيرة إلى الحد الذي يتعذر فيها جمعها. ويقول فرنت، إن إبراهيم بن الصلت ترجم كتاب (الرباعية) لبطليموس، ثم قام أفلاطون التيفولي، 1138م، بترجمته من العربية.

وشرح العالم العربي ابن الداية، أحمد بن يوسف، المتوفى سنة 320 للهجرة، كتاب (الثمرة) اليوناني، فترجمه يوحنا الإشبيلي (1136م). وقام البتاني، محمد بن جابر، بترجمة كتاب الثمرة المذكور أيضاً، فقام يوحنا الإشبيلي بنقله إلى الإسبانية. وكتب أبو بكر الحاسب، 800 ميلادية، كتابا في التنجيم، وتمت ترجمته عام 1218م، كما تمت ترجمة كتاب أبي علي الخياط، المتوفى سنة 835 ميلادية، وترجمة كتب منجمين عرب آخرين، كالمشهور ابن الفرخان الطبري المتوفى سنة 840م. وترجم كتاب واسع الشهرة سهيل بن بشر (ت 850م).

وترجمت كتب أشهر المنجمين العرب، وهو أبو معشر، جعفر بن محمد بن عمر البلخي، والمتوفى سنة 272 للهجرة، ومنها (النكت) و(تهاويل العالم) و(المدخل الصغير لعلم الفلك) و(المدخل الكبير). ويقول فرنت، إن أعمال أبي المعشر "شهدت انتشاراً واسعاً" في القارة الأوروبية، ويقول: "بدأ الطلب على هذه الكتب، في العالم المسيحي، منذ القرن الثاني عشر الميلادي"، ثم يورد بعض أهم أنواع التنجيم، كالتنجيم الطالعي، عن مستقبل الفرد، والتنجيم الاستفهامي، عن اختيارات حساب اللحظة المناسبة للشروع بعمل، والتنجيم المتعلق بالأحداث العامة والتنبؤ بالأحداث العامة.