عاجل

البث المباشر

هكذا غيّر وباء مجرى حرب وانهارت أعظم المدن القديمة

المصدر: العربية.نت – طه عبد الناصر رمضان

أثناء استعدادها لمواجهة مدينة إسبرطة بالحرب البيلوبونيسية، حلّ عدو جديد بأثينا قادما من جهة ميناء بيرايوس (Piraeus)، فعصف بالمدينة وتسبب خلال فترة وجيزة في سقوط عدد كبير من الضحايا كان من ضمنهم بريكليس (Pericles) أحد أعظم القادة التاريخيين لأثينا.

موضوع يهمك
?
رست السفينة السياحية المنكوبة روبي برنسيس التابعة لشركة كارنيفال كورب، وهي أكبر مصدر منفرد لعدوى فيروس كورونا في...

السفينة المنكوبة بكورونا " روبي برنسيس " ترسو بأستراليا السفينة المنكوبة بكورونا " روبي برنسيس " ترسو بأستراليا فيروس كورونا

لم يكن هذا العدو سوى الطاعون وقد أصيب به حينها المؤرخ الإغريقي الشهير ثوسيديديس (Thucydides) الذي تمكّن من النجاة بعد معاناة شديدة ليدوّن لاحقا أحوال أثينا خلال فترة المرض، ويؤرخ مجريات الحرب البيلوبونيسية التي استمرت بين عامي 431 و404 قبل الميلاد.

سجل المرض ظهوره بأثينا عام 430 قبل الميلاد خلال ثاني سنوات الحرب البيلوبونيسية. وعلى حسب ما نقله المؤرخ ثوسيديديس نشأ هذا الوباء بجنوب الصحراء الكبرى بإفريقيا عند مناطق بجنوب إثيوبيا وانتقل منها نحو مصر قبل أن يحل بأثينا عن طريق ميناء بيرايوس الذي اعتمد عليه الأثينيون خلال الحرب مع إسبرطة.

فمع اندلاع المعارك، امتلك الإسبرطيون وحلفاؤهم أعدادا كبيرة من الجنود فركّزوا جهودهم على الحملة البرّية. وفي المقابل امتلكت أثينا عددا هاما من السفن والبحّارة ففضّلت الانسحاب خلف أسوار المدينة وشن حملة بحرية ومهاجمة قوات إسبرطة انطلاقا من البحر. وبسبب الانسحاب، تزاحم عدد كبير من السكان داخل أسوار أثينا وسط ظروف صحية سيئة مسهّلين بذلك عملية انتشار الوباء.

تمثال نصفي يجسد المؤرخ ثوسيديديس تمثال نصفي يجسد المؤرخ ثوسيديديس

وعلى حسب ما رواه ثوسيديديس، عجز الأطباء عن تشخيص وعلاج هذا المرض، وكانوا أول ضحاياه بسبب احتكاكهم مع المصابين. كما تحدّث المؤرخ الإغريقي عن معاناة المرضى من حمى شديدة أجبرت كثيرا منهم على خلع ثيابهم أو الاستحمام بالماء البارد، مؤكدا على عدم قدرتهم على النوم وظهور حالات إسهال بينهم وانتشار التقرحات على أجسامهم.

أيضا، أخبر ثوسيديديس عن رفض الحيوانات المفترسة والطيور الجارحة أكل لحوم ضحايا المرض بسبب الروائح الكريهة المنبعثة منها وتحدّث عن معاناة الناجين منه من تشوهات خلقية عقب شفائهم.

تمثال نصفي لبركليس تمثال نصفي لبركليس

عاود الوباء ظهوره مرتين خلال عامي 429 و426 قبل الميلاد وأسفر عن وفاة حوالي 100 ألف شخص وهو ما يعادل ثلث سكان أثينا التي تراوح تعدادها السكاني حينها بين 250 و300 ألف نسمة. وقد كان من ضمن ضحايا هذا المرض القائد التاريخي بريكليس الذي قاد أثينا والتي تزعّمت بدورها الحلف الديلي أثناء الحرب البيلوبونيسية. ومع انتشار الوباء بأثينا، تخوّف الإسبرطيون من انتقال العدوى إليهم فعمدوا لسحب قواتهم والتراجع لتجنب الاحتكاك مع جنود أثينا المرضى.

بناء على ذكره ما ثوسيديديس، انتشرت الجثث بالشوارع وترك العديد منها ليتعفن في الطرقات بسبب خوف الأثينيين من انتقال العدوى إليهم في حال اقترابهم منها.

تمثال نصفي أعيد تشكيله حديثا انطلاقا من جمجمة طفلة لقبت بميرتيس تبلغ 11 عاما قيل أنها توفيت بسبب طاعون أثينا منذ نحو 2500 عام تمثال نصفي أعيد تشكيله حديثا انطلاقا من جمجمة طفلة لقبت بميرتيس تبلغ 11 عاما قيل أنها توفيت بسبب طاعون أثينا منذ نحو 2500 عام

من جهة ثانية، لم يتردد عدد المتطوعين في نقل بعض هذه الجثث لدفنها بقبور جماعية عميقة. أيضا، رفض الأثينيون احترام القوانين التي كانت سائدة بمدينتهم كما عمدوا للفتنة الدينية واتهموا آلهتهم وعلى رأسها الإله أبولو (Apollo) بالوقوف لجانب إسبرطة بالحرب ونشر الوباء بأثينا لتدميرها.

من جهة ثانية، تحوّلت معابد أثينا لمراكز إيواء للمتشردين والفارين من الوباء حيث حلّ الجميع بها مع بلوغ المرض لمناطقهم.

وأسهم هذا الوباء الذي عصف بأثينا في تراجع مكانة هذه المدينة وانهيار مجتمعها كما أثّر بشكل كبير على مستقبل الحرب البيلوبونيسية التي شهدت لاحقا انتصار إسبرطة وحلفائها.

أثينا والمناطق الخاضعة لنفوذها عام 450 قبل الميلاد أثينا والمناطق الخاضعة لنفوذها عام 450 قبل الميلاد

و خلال الفترة المعاصرة، يشكك الكثير من العلماء المعاصرين في طبيعة هذا الوباء الذي ظهر عام 430 قبل الميلاد. فعلى حسب الأعراض التي ذكرها ثوسيديديس تحدّث البعض عن الطاعون الدبلي بينما اختلف آخرون بين الجدري والحصبة والتيفوس والحمى التيفوئيدية والإيبولا.

إعلانات