هكذا اكتشف طبيب بكتيريا قتلت مئات ملايين البشر

نشر في: آخر تحديث:

خلال القرن الرابع عشر، كانت البشرية على موعد مع إحدى أسوأ فتراتها، حيث سجّل وباء الطاعون الأسود ظهوره ليلقي بظلاله على العالم متسببا في وفاة أعداد هائلة من البشر.

ففي أوروبا وحدها تحدّث مؤرخون عن وفاة ثلث سكان القارة ما بين عامي 1347 و1351 بسبب هذا المرض الذي خلّف ذكرى أليمة تناقلت الأجيال التالية وقائع أطوارها.

ظهور متقطع

وطيلة القرون التالية، واصل الطاعون ظهوره بين الفينة والأخرى بأوروبا حاصدا مزيدا من الأرواح خاصة مع فشل علماء تلك الفترة في فهم طبيعة هذا المرض وأسباب انتشاره.

وقد انتظر العالم أواخر القرن التاسع عشر للحصول على معلومات دقيقة حول المرض الذي فتك بما لا يقل عن ثلث أوروبا بالقرن الرابع عشر.

ويعود الفضل في ذلك للطبيب والبكتيريولوجي السويسري الأصل ألكسندر يرسين (Alexandre Yersin) حيث نجح الأخير بفضل أبحاثه في الكشف عن البكتيريا التي هزّت العالم وأرعبت الشعوب على مر قرون.

ولد ألكسندر يرسين يوم 22 أيلول/سبتمبر 1863 بمدينة أوبون (Aubonne) بكانتون فود (Canton of Vaud) السويسري لعائلة ذات أصول فرنسية.

وما بين أعوام 1883 و1886 درس يرسين الطب بالعديد من المدن كانت أهمها لوزان بسويسرا وماربورغ بألمانيا قبل أن ينتقل سنة 1886 لباريس أين التحق بمختبر لويس باستور بالمدرسة العليا وشارك إيميل رو (Emile Roux) أبحاثه حول المصل المضاد لداء الكلب.

الطاعون يتفشى بالصين

وعقب حصوله على درجة الدكتوراه سنة 1888، انتقل هذا الطبيب السويسري لبرلين حيث التقى بالعالم الألماني روبرت كوخ قبل أن يعود مجددا لباريس ليلتحق بمعهد باستور بداية من العام 1889 ويساعد إيميل رو في اكتشاف البكتيريا المسببة لمرض الديفتيريا.

سنة 1888، حصل ألكسندر يرسين على الجنسية الفرنسية وبعدها بعامين انطلق الأخير على متن إحدى البواخر نحو المستعمرة الفرنسية بالهند الصينية عقب تعيينه طبيبا عسكريا، فقضى أربع سنوات هنالك قبل أن يرسل عام 1894 لهونغ كونغ بطلب من السلطات الفرنسية ومعهد باستور للتحقيق حول ظهور وتفشي وباء الطاعون بعدد من مناطق الصين.

ومع حلوله بالمنطقة، وجد ألكسندر يرسين نفسه في سباق مع الطبيب الياباني كيتاساتو شيباسابورو (Kitasato Shibasaburō) لدراسة وتحديد أساب تفشي الطاعون، حيث تواجد العالم الياباني شيباسابورو أثناء نفس الفترة بالصين لإجراء أبحاث حول هذا المرض الذي أرّق البشرية على مدار قرون.

سباق مع طبيب ياباني

إلى يومنا الحاضر يختلف كثيرون حول أول من اكتشف البكتيريا المسببة للطاعون. لكن على حسب أغلب المؤرخين وعلماء البكتيريولوجيا، سبق ألكسندر يرسين نظيره الياباني بأيام وتمكن من تحقيق هذا الإنجاز العلمي محددا بتلك البكتيريا التي قتلت مئات ملايين البشر على مر التاريخ بعد مضي 3 أسابيع فقط عن حلوله بهونغ كونغ.

فعلى الرغم من إمكانيات مختبره المحدودة مقارنة بمختبر شيباسابورو، كان يرسين سبّاقا في تحقيق هذا الإنجاز مستغلا عامل تطور البكتيريا المسببة للطاعون بشكل أفضل بدرجات الحرارة الباردة.

وبادئ الأمر حملت البكتيريا المسببة اسمي كل من يرسين وشيباسابورو لكن لاحقا فضّل العلماء الإبقاء على اسم الطبيب ذي الأصول السويسرية فأطلق عليها اسم اليرسينيا الطاعونية، أو يرسينيا بستيس، (Yersinia pestis). أيضا، تمكّن ألكسندر يرسين من إثبات وجود نفس هذه البكتيريا لدى الفئران واضعا بذلك فرضية انتقال الطاعون للبشر عن طريق الفئران.

خلال الفترة التالية، عمل يرسين على وضع مصل مضاد للطاعون فحقق نجاحا محدودا في ذلك كما اتجه أيضا لدراسة عدد من الأمراض الأخرى بالهند الصينية كالكوليرا والتيتانوس.

من جهة ثانية، كان ليرسين دور هام في التقدم الزراعي للمنطقة حيث ساهم هذا العالم في نقل زراعة شجر المطاط للهند الصينية وحصل لاحقا على مراتب مرموقة، فعيّن من قبل الحاكم الفرنسي بالهند الصينية بول دومر (Paul Doumer) على رأس جامعة الطب بهانوي، كما كرّمته فرنسا عن طريق تعيينه بشكل فخري مديرا لمعهد باستور عام 1933 وليومنا الحاضر يحظى يرسين بمكانة طيبة لدى الفيتناميين حيث أطلق اسمه على العديد من المعاهد والمدارس والشوارع.