عاجل

البث المباشر

"قياس الحرارة".. ذكره العرب قديماً فكيف كان يعمل؟

المصدر: العربية.نت – عهد فاضل

تعبير "قياس الحرارة" في تاريخ الطب الإسلامي، واردٌ عند أشهر الأطباء. وعلى الرغم من استعمال كلمة "قياس" كمعيار كاشف لدرجة الحرارة، وقبل اختراع وسائل الكشف الحراري المعمول بها، الآن، فإن مبدأ "القياس" المذكور، كان يقوم على معيارين أساسيين، للكشف عن الحرارة وشدتها، بحسب أمّهات كتب الطب العربية.

ورد تعبير "قياس الحرارة" عند أبي بكر الرازي المتوفى سنة 313هـ، في كتابه المترجم إلى أغلب اللغات الأوروبية "الحاوي في الطب" ويقول: "ونبضهم كلهم، صغير، بقياس حرارتهم". لكن، ما هو "المقياس" الذي كان يكشف به، على الحرارة ودرجتها وتحديد شدتها؟ خاصة وأنه ليس مقياساً صناعياً، بل هو مقياس استدلالي، من خلال ربط ارتفاع الحرارة، بقوة نبض القلب وتسارعه واضطرابه، ومن خلال الجسّ باليد، وهي الآلية التي لا تزال إلى الآن، مستعملة، فالأطباء يستعملون، أولا، الجس بكف اليد، للكشف المبدئي عن النبض وعن حرارة المريض، فإن أحسوا ارتفاعاً، استعملوا المقياس الحديث، لتحديد درجة الحرارة، بالضبط.

مقياس النبض

وبحسب ما طالعته "العربية.نت" في أشهر مصنفين عربيين، وضعا في الطب، وهما كتاب "الحاوي" السابق ذكره، وكتاب "القانون في الطب" للشيخ الرئيس ابن سينا المتوفى سنة 428هـ، فإن المقياس الذي كان معمولا به، في تحديد درجة الحرارة، هو مراقبة النبض، عبر الجسّ، نظراً لترافق اضطراب النبض مع ارتفاع درجة الحرارة.

ينقل صاحب تعبير "قياس الحرارة": "مما لا يفارق الحمّى، السرعة والتواتر في النبض، وحرارة اللمس، وتواتر النفس". ثم يفصّل في الربط بين النبض والحرارة: "والنبض في جميع الحميات، يصغر، إلا أنه في الربع [من مستويات شدة الحمّى] يفرط في ذلك، حتى يخيل أن العرق مربوط يجذبه إلى داخل، حتى يمنعه من الارتفاع، وفي الغب [درجة عليا من درجات الحمّى] لا يفرط، بل يتباعد كثيرا عن الحال الطبيعية في العظم والسرعة".

وبحسب "الحاوي.." يتأكد "قياس" الحرارة، بمراقبة النبض وفحصه والانتباه إلى التغير الذي طرأ عليه، فينقل: "أول ما يعرض في حمّيات الغب، قشعريرة، ثم لا تزال تتزايد حتى يبرد البدن كله، أو أكثره، ويصير النبض في ذلك الوقت أصلب مما كان بالطبع وأسرع وتتبين السرعة في الانقباض".

يورد "الحاوي" تأكيداً محددا للكشف عن النبض ومعرفة شدة الحمّى: "فاستعن بهذه المقالة، ونحن نكتب ذلك في باب النبض، فإن فيه علامات الحميات". أمّا الكشف المغرق في القدم، ولا يزال قائماً إلى وقتنا الحالي، عبر لمس اليد للبدن، لفحص حرارته، فقد أنتج مصطلحات، عن العرب، تعكس نوعاً من التحديد الرقمي لشدة الحرارة، فمنها "الحارقة" ومنها "اللاذعة" ومنها "النارية" و"الحادة" حسب مصنفات عربية قديمة في الطب.

الشيخ الرئيس يؤكّد

ويتحدث الشيخ الرئيس، على مقياس النبض، أيضا، كمؤشر لشدة الحرارة. ويقول: "ومن النبض، فإنه إذا كان سريعا متواتراً عظيماً، فالمرض حاد، وإلا فهو غير حاد، ومن النافض [درجة من درجات الحمى] فإنه إذا كان طويل المدة، فالمرض إلى زمان، وإذا كان قصير المدة، فالمرض إلى حدة".

ثم يقدم تشخيصاً، لحالة النبض عند الإصابة بارتفاع الحرارة: "فإن وقت النوبة هو الوقت الذي ينضغط فيه النبض، إلى الوقت الذي يحس فيه بانتشار الحرارة" مع إضافة تشخيصات الطبيب المجرّب، وهي "برودة الأطراف" و"استرخاء الجفن" "ثقل الكلام" و"تغير اللون" وصفات أخرى عديدة، وصولاً إلى حالة النبض مع ارتفاع درجة الحرارة: "ووقت التزيّد، نصفه الأول هو الوقت الذي يأخذه النبض في الظهور، والعظم، وفي السرعة، وتنتشر الحرارة في جميع البدن، على السواء".

أمّا النصف الثاني في تدرج حالة المصاب، فهو بوصف الشيخ الرئيس: "ونصفه الأخير هو الوقت الذي لا تزال هذه الحرارة المنتشرة، تتزيّد، ووقت الانتهاء هو الوقت الذي تبقى فيه الحرارة، والأعراض بحالها، ويكون النبض أعظم ما يكون وأشد سرعة وتوتراً" ثم يضيف: "ووقت الانحطاط، هو الوقت الذي يبتدئ فيه بالنقصان، ويأخذ النبض يعتدل ويستوي".

مقياس اللغة العربية

ومخافة الوقوع في خطأ في التشخيص، يوضح أكثر في ما يعرف الآن، بالتشخيص التفريقي، الذي يفرّق بين مرض وآخر، يمتلكان العوارض ذاتها، فيقول: "وإن لم يكن هناك، حمى، والنبض يكون إلى توتر وقوة، وإلا أن يكون في فم المعدة، خليط يلذع، أو برد، أو سبب آخر مما يصغر النبض عن الحمى، وقلما يختلف، وإن اختلف كان له نظام".

ارتباط ارتفاع الحرارة، باضطرابات نبض القلب أو الخفقان، تعبير دارج، أيضا، في معجمات اللغة العربية. إذ يورد "تاج العروس.." في معرض كلامه عن نوع من النبات فيقول: "يحسِّن اللون، ويسكن الخفقان الحادث عن الحرارة".

ويشار في هذا السياق، إلى أن كتاب "القانون في الطب" ظلّ مقررا جامعيا في أوروبا، حتى القرن الثامن عشر الميلادي، واعتمدته جامعة بولونيا 500 سنة مقررا جامعياً من القرن الثالث عشر، حتى القرن الثامن عشر الميلادي، على الرغم من أنها كانت قد حذفته من المنهج، عام 1721م، إلا أن قيمة الكتاب، دفعتها لإعادة تدريسه مرة أخرى، عام 1737م.

إعلانات