بموجة ثانية.. مرض انتشر بالعالم وقتل مئات الآلاف

نشر في: آخر تحديث:

ما بين عامي 1817 و1824، عاش العالم على وقع تفشي وباء الكوليرا الذي حلّ بالعديد من الدول ليتسبب في سقوط ملايين الضحايا. وخلال تلك الفترة، سجّل هذا الوباء ظهوره ببلاد الهند عند منطقة دلتا الغانج وانتشر بشكل سريع ليبلغ العديد من المدن الأخرى ككلكوتا وبومباي قبل أن يغادر حدود الهند ليحل بكل من مانيلا وبانكوك وجزيرة جاوا واليابان والصين وبلاد فارس والنيبال والدولة العثمانية وجنوبي روسيا.

وبفضل شتاء 1823 – 1824 القاسي، تراجعت موجة الكوليرا حيث ساهمت الأمطار الغزيرة في تنظيف مصادر المياه وخلصت البشر وقتيا من البكتيريا المسببة للمرض.

موجة ثانية

في الأثناء، لم تكن موجة 1817 – 1824 سوى الموجة الأولى للكوليرا. فبعد نحو خمس سنوات، عادت الكوليرا مرة أخرى ضمن موجة ثانية أكثر فتكا امتدت لتبلغ القارتين الأوروبية والأميركية وخلفت أعدادا كبيرة من القتلى بكل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك.

وتماما كالأولى، يؤمن المؤرخون بظهور موجة وباء الكوليرا الثانية بالهند في حدود العام 1829 لتنتقل بفضل الطرق التجارية وتحركات الجنود نحو شرقي ووسط آسيا والشرق الأوسط.

وبحلول خريف عام 1830، وجدت بكتيريا "ضمة الكوليرا" (Vibrio cholerae)، المسببة للكوليرا، طريقها لموسكو وسانت بطرسبرغ، فسببت حالة من الفوضى وأسفرت عن حوالي 100 ألف وفاة.

حجر صحي

وخلال الفترة التالية، امتد المرض نحو كل من فنلندا وبولندا بفضل حركة التجارة وتنقلات الجيش الروسي الذي تدخل بوارسو لقمع ثورة تشرين الثاني/نوفمبر حيث نقل الجنود الروس المرض معهم نحو بولندا متسببين في سقوط مزيد من الضحايا.

ومع بلوغ الكوليرا مناطق بالمجر وبروسيا الشرقية وتسببها في وفاة عشرات الآلاف، لجأت السلطات البروسية لإغلاق حدودها في وجه الروس أملا في وقف تفشي الوباء.

ومع انتشار التقارير الصحافية التي تحدّثت عن وفاة عدد كبير من الروس بسبب الكوليرا، لجأت السلطات البريطانية أواخر العام 1831 لفرض الحجر الصحي على كل السفن الروسية القادمة لموانئها.

إلى ذلك، لم يكن هذا الإجراء كافيا لمنع انتشار الكوليرا، فخلال شهر كانون الأول/ديسمبر 1831 سجل المرض ظهوره بمدينة ساندرلاند عن طريق عدد المسافرين القادمين من البلطيق، كما بلغ خلال فترة وجيزة مدنا عديدة كان من ضمنها لندن وغيتسهيد.

أعمال شغب

وتماما كروسيا، سببت الكوليرا حالة من الفوضى ببعض المدن البريطانية. فمع تزايد حالة الهلع والخوف من المرض، نشرت بعض الصحف تقارير عن ارتفاع أعداد الوفيات بالمستشفيات، وبسبب ذلك آمن عدد من البريطانيين بقيام الأطباء بتسميم وقتل المصابين حال وصولهم للمستشفيات لتبدأ بذلك أعمال شغب ببعض المدن كليفربول التي هاجم بها الأهالي الأطباء.

بمدينة لندن وحدها تسببت الكوليرا في وفاة أكثر من 6500 شخص، أما بباريس فارتفعت حصيلة القتلى لتبلغ 20 ألفا بينما سجلت فرنسا بأكملها أكثر من 100 ألف وفاة بسبب الكوليرا وبمملكة الصقليتين بجنوب إيطاليا بلغت أعداد الوفيات أرقاما قياسية حيث حصد المرض حياة عشرات الآلاف بكل من نابولي وباليرمو وحدهما.

وخلال الأشهر التالية، عبرت بكتيريا ضمة الكوليرا المحيط الأطلسي لتحل بالقارة الأميركية فتسببت في وفاة ألف شخص بكيبك الكندية إضافة لعشرات الآلاف بالمدن الأميركية. وقد كانت نيو أورلينز (New Orleans) بلويزيانا أكثر المدن تضررا حيث تجاوز عدد الوفيات بها الخمسة آلاف. لاحقا، واصل الوباء انتشاره فبلغ كلا من المكسيك وكوبا وقتل 25 ألفا بكليهما.