عاجل

البث المباشر

نوادر لا تتكرّر.. قاضٍ يعضّ رؤوس الخصوم!

المصدر: العربية.نت – عهد فاضل

باب النوادر، هو جزء من كثير من مصنفات عربية قديمة، وأحياناً يكون الكتاب كله. وتجمع النوادر، في المصنفات، إمّا للدلالة إلى حكمة أو قيمة أو معنى، وأحياناً تكون من باب الإضحاك على سبيل الرواية وقدرة المتكلم على إقناع المستمع بمدى درايته بقصص الناس، خاصة إذا كانت تنطوي على مفارقة أو إجابة غير متوقعة. ولم يسلم من النوادر، في المصنفات العربية، أي أحد. فقد طالت أهل السياسة والأدب والصناعات والشعراء والتجارة والقضاء، كما طالت غالبية من كانت لديهم ميزة، سواء في الشكل، أو الأسلوب.

موضوع يهمك
?
بعد 49 يوما من العزل التام في البلاد التي حلت في المرتبة الثالثة عالمياً تأثرا بفيروس كورونا الذي حصد في أوروبا وحدها...

الحرية أخيراً.. الإسبان إلى الضوء بعد 49 يوماً من العزل الحرية أخيراً.. الإسبان إلى الضوء بعد 49 يوماً من العزل العرب و العالم
اهدم وحسب!

لكن للسياسة هيبتها، كما يرد في "التذكرة الحمدونية" التي يقول صاحبها إن آداب السياسة، باب جدّ لا هزل فيه. لكنه رغم ذلك يورد بعضا من هزل ذلك الجد! كقصة الخليفة العباسي المنصور عندما أمر أحد عمّاله بهدم دُور البعض وعقر نخلهم. فكتب إليه عامله، بأي شيء يبدأ الهدم بالبيوت أم بالنخل؟ فردّ الخليفة غاضباً برسالة: أمّا بعد، فإني لو أمرتُكَ بإفساد تمرهم، لكتبتَ تستأذن بأيّه تبدأ، بالبرني أو الشهريز؟ ثم عزله وعيّن غيره مكانه.

صاعقة لمن لا ميزة لديه

ومن نوادر الحمدونية إذا لم يكن الإنسان يتحلى بأي فضيلة تميزه، سئل وزيرٌ: ما خيرُ ما يُرزَقه العبدُ؟ قال: عقلٌ يعيش به، قال: فإن عدمه؟ قال: أدبٌ يتحلّى به، فقال: فإن عدمه؟ فقال: حالٌ تسترهُ، فقال: فإن عدمه؟ فقال: صاعقةٌ تحرقه فتريح منه البلاد والعباد!

عقوبة القاضي الذي يعضّ الخصوم

وكان هناك قاضٍ، يقوم بعضِّ الخصوم المتقاضين أمامه، لسبب لم يكشف في الرواية، فتقدّم ضحاياه بشكوى بحقّه، للخليفة العباسي المأمون، قائلين له إنه يعضّ رؤوس الخصوم! فما كان من المأمون سوى أن أمرَ بربط حنكه، حماية للخصوم من عضّاته.

استغلال ينتهي بعقوبة وضحكة

ومن نوادر الأبشيهي في مستطرفه، عندما سيطر الأرق على هارون الرشيد، فعجز عن النوم، فاقترح عليه واحد من خدمه، ويدعى مسرور، أن يحضر إليه رجلا مشهوراً بالقدرة على إضحاك الناس من أجل تحسين مزاجه، واسمه ابن المغازلي. فوافق الرشيد على إحضار الرجل. لكن الخادم، أرغم ابن المغازلي على إبرام صفقة، كي يدخله على الخليفة، وهي أن يأخذ هو ثلثي ما سيعطيه الخليفة للمهرّج الذي سيكون نصيبه الثلث فقط، ووافق مكرها على تلك الصفقة المجحفة بحقه.

ولمّا وقف ابن المغازلي بين يدي الرشيد، قال له: إن أنتَ أضحكتني أعطيتك خمس مئة دينار، وإن لم تضحكني، أضربك بهذه الجراب، ثلاث ضربات. فوافق ابن المغازلي إذ ظنّ أن الجراب ستكون فارغة، وبالتالي لا مخاطر كبيرة عليه في حال عجز عن إضحاك الرشيد. وتقول الرواية إنه قام بفعل أشياء عجيبة "تضحك الجلمود" فلم يضحك الرشيد ولم يبتسم أبداً، فبدأ الخوف يتسلل إلى المهرّج الفاشل، بعد عجزه بالترويح عن الرجل، فقال له الرشيد: الآن استحققتَ الضربَ.

استغلال ينقلب على صاحبه

والمفاجأة أن الرشيد أدخل في الجراب، عدة أحجار ثقيلة الوزن، وضرب المهرّج على رقبته فصرخ صرخة عظيمة من الوجع. وهنا، فطن المهرّج إلى بنود الصفقة التي سبق وأرغمه عليها خادم الرشيد، وهي أن يكون من نصيبه الثلثان، فيما يكون من نصيب المهرج ثلث واحد. وأخبر الرشيد ببنودها مشيراً له بأنه تلقى ضربة واحدة من أصل ثلاث، وبالتالي تكون الضربتان المتبقيتان من نصيب خادمه، بحسب بنود صفقة الإذعان: "وقد أخذتُ نصيبي، وبقي نصيبه!" هنا ضحك الرشيد-أخيراً- وضرب خادمه، فعاجله المغازلي بطرفة أخرى: "وقد وهبتُ لهُ ما بقيَ" فضحك الرشيد ثانية، وأمر لهما بألف دينار قسمت على اثنين.

المعلّم الذي خذل الجاحظ

وللمعلمين نوادرهم، على الرغم مما نقل عن الجاحظ، أنه عدل في اللحظة الأخيرة عن كتابه عنهم، إلا أن ثمة ما جرى معه، فعاد وقرر جمع كتاب عن نوادر تلك الفئة.

تقول الرواية إن الجاحظ بعدما قرر "تقطيع" كتابه عن نوادر المعلمين، اجتمع بواحد منهم، فأثار إعجابه، أدباً وثقافة، وتهذيباً، فقال: "واللهِ، هذا مما يقوّي عزمي على تقطيع الكتاب" وكان يقوم بزيارة الرجل، على مراحل. إلا أنه في إحدى المرات، لم يجد المعلم، ووجد بيت الكتَّاب مغلقاً، فسأل عن سبب غياب المعلّم، فقيل له إنه في بيته يستقبل المعزّين بعدما مات له ميت. فقرر الجاحظ زيارته لتعزيته.

يتلقى التعازي بامرأة مذكورة ببيتين من الشِّعر!

وزاره، وتقدّم له بعبارات التعزية كما تليق بواحد كالجاحظ وواحد كالمعلّم. فسأله عن الميت، هل هو ولدك؟ فقال: لا، فهل هو والدك، فقال: لا، فهل هو أخوك؟ فقال: لا، فزوجتك؟ فقال أيضا: لا، فسأله: [إذن] ما هو منك؟ فقال له المعلم: حبيبتي! فاغتاظ الجاحظ بصمت، خاصة أنه سبق وقرر تمزيق كتابه عن نوادر المعلمين، فقال للرجل: سبحان الله، النساء كثير، وستجد غيرها. ففاجأه المعلّم: أتظن أني رأيتها؟ يعني أن من ماتت لم يكن يعرفها أصلاً، فاغتاظ الجاحظ، مرة أخرى، فسأله كيف عشقها ولم يعرفها، فأجابه ببيتين من الشعر عن امرأة فعشقها هو لصفاتها في البيتين، ثم بعدما علم أنها ماتت، حزن وأغلق المكتب ثم جلس في داره.

هنا لم يعد الجاحظ قادراً على كظم غيظه بعدما خذله المعلّم، فصارحه بالقول: يا هذا، إني كنتُ ألّفت كتابا في نوادركم معشر المعلّمين، وكنتُ حين صاحبتك عزمتُ على تقطيعه، والآن قد قويت عزمي على إبقائه، وأوّل ما أبدأ بكَ إن شاء الله تعالى!

إعلانات