عاجل

البث المباشر

لسبب غريب.. قتل الأوروبيون اليهود زمن الطاعون

المصدر: العربية.نت – طه عبد الناصر رمضان

في حدود منتصف القرن الرابع عشر، واجهت البشرية واحدة من أصعب فتراتها حيث سجّل وباء الطاعون الأسود انتشاره وامتد ليبلغ كبرى المدن الأوروبية مخلفا أعداداً غير مسبوقة من الضحايا.

ويعد الطاعون الأسود الذي تفشى بالقرن الرابع عشر أسوأ وباء عرفه العالم من حيث عدد الوفيات. فخلال سنوات، فارق ما بين 75 و200 مليون شخص الحياة بسببه كما فقدت أوروبا أثناء نفس الفترة ما يقارب ثلث سكانها عقب انتقال العدوى إليهم.

لوحة تجسد ملك بولندا كازيمير الثالث لوحة تجسد ملك بولندا كازيمير الثالث

وأمام غياب الأبحاث العلمية المعاصرة التي قادها الطبيب وعالم الجراثيم السويسري ألكسندر يرسن وأثبتت دور بكتيريا يرسينيا الطاعونية المسبب للمرض وأكدت على نقل البراغيث والفئران للطاعون، اتجه الأوروبيون خلال القرن الرابع عشر لتأويل الوباء بطرقهم الخاصة. فتحدث بعضهم عن عقاب إلهي ولجأوا لجلد أنفسهم طلبا للغفران، بينما فسّر البعض تفشي الطاعون حسب نظرية الميازما التي ألقت باللوم على ما أطلقوا عليه بالهواء الفاسد.

وإضافة لكل هذه النظريات الغريبة، لم يتردد كثيرون في توجيه أصابع الاتهام لليهود الذين قطنوا بالمدن الأوروبية منذ قرون فاتهموهم بنشر المرض وأعادوا، بطريقة مشابهة، إحياء الأفكار الغريبة التي ظهرت منذ مطلع القرن والتي حدّثت عن نشر اليهود لمرض الجذام.

لوحة تجسد مذبحة سترازبورغ الفرنسية لوحة تجسد مذبحة سترازبورغ الفرنسية

وأثناء الطاعون الأسود اتخذت الأحداث منحى سيئا حيث اتهم سكان العديد من المدن الأوروبية اليهود بالتعامل مع الشياطين لنشر الوباء وتسميم آبار الشرب، فلجأوا لاعتقال العديد منهم وأجبروهم على الاعتراف بمثل هذه التهم الموجهة إليه تحت ويلات التعذيب لتبدأ على إثر ذلك أعمال انتقامية طالت اليهود بالعديد من المناطق الأوروبية.

وعلى حسب عدد من المؤرخين المعاصرين، استاء الأوروبيون حينها من أرقام الوفيات التي لم تكن مرتفعة في صفوف اليهود فشككوا في وقوفهم وراء تفشي الطاعون ليباشروا بملاحقتهم.

لوحة تجسد عملية حرق يهود سترازبورغ أثناء فترة الطاعون الأسود لوحة تجسد عملية حرق يهود سترازبورغ أثناء فترة الطاعون الأسود

بناء على مصادر تلك الفترة، اندلعت أعمال العنف ضد اليهود خلال الليلة الفاصلة بين يومي 13 و14 أبريل/نيسان 1348 بمدينة تولون (Toulon) الفرنسية حيث عمد الأهالي لقتل ونهب ممتلكات نحو 40 يهوديا بالمدينة.

وبشكل سريع، امتدت الأعمال الانتقامية ضد اليهود نحو بقية منطقة بروفنس (Provence) قبل أن تتوسع لتشمل مزيدا من المدن الفرنسية. فبسان ريمي أحرق المحتجون المعبد اليهودي وبناربون وقرقشونة ولانغدوك هاجم الأهالي اليهود وسحلوهم بالشوارع.

لوحة تجسد البابا كليمنت السادس لوحة تجسد البابا كليمنت السادس

وبمنطقة سيرس (Serres) أحرق السكان الغاضبون العديد من اليهود أحياء. لاحقا، توسعت رقعة أعمال العنف فشهدت مناطق كفالانس وإقليم سافوا مذابح قتل بها العديد من اليهود. ويوم 14 شباط/فبراير 1349، عرفت مدينة تولوز الفرنسية أهوال محرقة عيد الحب حيث عمد أهالي المدينة لحرق حوالي ألفي يهودي عقب سحلهم من منازلهم.

من جهة ثانية، بلغت أعمال العنف دول الجوار. فبشبه الجزيرة الأيبيرية، خرّب المحتجون ببرشلونة الحي اليهودي ونهبوا ممتلكاته وقتلوا العديد من سكانه كما شهدت مناطق كنافارا وقشتالة أعمالا انتقامية مشابهة. وبالمدن الألمانية، لجأ أهالي مناطق كفرانكفورت وماينتس وإرفورت لمطاردة اليهود فقضوا على جانب هام من المجتمع اليهودي بالمنطقة.

صورة للعالم السويسري ألكسندر يرسن صورة للعالم السويسري ألكسندر يرسن

أيضا، شهدت بازل السويسرية أعمالا مماثلة راح ضحيتها مئات اليهود كما أجبر الأطفال حينها على التخلي عن اليهودية واعتناق المسيحية للحفاظ على حياتهم.

أمام هذا الوضع، سمح ملك بولندا كازيمير الثالث (Casimir III) لليهود الفارين من العمليات الانتقامية بأوروبا الغربية بالهروب والاستقرار ببلاده.

وعلى حسب عدد من المؤرخين، سعى الملك البولندي حينها لاستغلال تجارة اليهود وتقدمهم في مجال الحرف والمعاملات لتحسين اقتصاد بلاده وقد مكث اليهود هنالك لنحو 6 قرون لحين غزو الألمان لبولندا بالقرن الماضي وبداية عمليات الإبادة النازية.

رسم تخيلي لعملية احراق عدد من اليهود بأوروبا خلال العصور الوسطى رسم تخيلي لعملية احراق عدد من اليهود بأوروبا خلال العصور الوسطى
رسم تخيلي لعدد من المصابين بالطاعون الأسود رسم تخيلي لعدد من المصابين بالطاعون الأسود

من جهة ثانية، تحرّك البابا كليمنت السادس (Clement VI) لوقف أعمال العنف فأصدر ما بين عامي 1348 و1349 مراسيم بابوية نفى من خلالها التهم الموجهة لليهود مؤكدا على انتشار المرض بجميع أرجاء العالم ومطالبا السلطات الكنسية بمختلف المدن بالتحرك لوقف الفوضى وحماية اليهود.

كلمات دالّة

#يهود, #أوروبا, #طاعون

إعلانات