حديد ونار.. كيف أنهت ألمانيا تمرداً هدد مستقبل أوروبا؟

نشر في: آخر تحديث:

أواخر العام 1918، عانت ألمانيا من ويلات أزمات عديدة تراوحت أساسا بين الإهانة والهزيمة بالحرب العالمية الأولى والأنفلونزا الإسبانية والنقص الحاد في الغذاء. ومع تنازل القيصر فيلهلم الثاني عن الحكم، نشأت في برلين يوم 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1918 جمهورية اشتراكية وأوكلت للسياسي الاشتراكي الديمقراطي المعتدل فريدريش إيبرت (Friedrich Ebert) مهمة بدء مشاورات تشكيل الحكومة عقب حصوله على منصب المستشار.

وتماما كما حصل في روسيا، عاشت ألمانيا حينها على وقع تمردات بالموانئ قادها جنود البحرية والعمال، وانتهت بتشكيل مجالس إدارة، حيث ثار هؤلاء على سلطة البلاد وأثاروا تخوفات بالعديد من الأوساط من إمكانية تفشي الثورة البلشفية التي عرفتها روسيا، لألمانيا.

فمن المستفيد؟

من جهة ثانية، صبّت هذه الأحداث التي شهدتها ألمانيا مع نهاية الحرب العالمية الأولى في صالح عدد من القادة الماركسيين من أمثال كارل ليبكنخت (Karl Liebknecht) وروزا لكسمبورغ (Rosa Luxemburg) اللذين آمنا حينها بحتمية انتقال الثورة البلشفية وتفشيها بكامل أرجاء أوروبا.

كما اعتبر المحامي اليساري ليبكنخت نفسه، بحسب كثيرين، "فلاديمير لينين" ألمانيا، فكان عام 1914 العضو الوحيد بالرايخستاغ الذي صوّت ضد دخول ألمانيا الحرب العالمية الأولى واتجه أواخر ذلك العام، برفقة روزا لكسمبورغ، لإنشاء رابطة سبارتاكوس (Spartacus League) ذات التوجهات الماركسية الثورية. وقد اشتقت هذه الحركة اسمها من اسم المصارع سبارتاكوس الذي قاد ثورة العبيد وهدد وجود روما خلال القرن الأول قبل الميلاد.

سمعة سيئة

وسريعا ما كسبت رابطة سبارتاكوس سمعة سيئة وصنفت كمجموعة غير قانونية من قبل المسؤولين الألمان كما أرسل قائدها كارل ليبكنخت نحو الجبهة الشرقية أين رفض رفع السلاح والقتال، وكعقاب له على ذلك أجبر الأخير على جمع ودفن جثث القتلى الذين سقطوا بالمعارك. لاحقا، عاد ليبكنخت نحو برلين فاتهم بالخيانة عقب استعراض لرابطة سبارتاكوس عام 1916 وصدر في حقه حكم بالسجن.

أما عام 1918، فقد أطلق سراح ليبكنخت من السجن فاتجه لإنشاء صحيفة العلم الأحمر. وبعد فترة قضوها ضمن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، أسس ليبكنخت رفقة روزا لكسمبورغ خلال مؤتمر عقد أواخر العام الحزب الشيوعي الألماني. ومنذ البداية، عانى هذا الحزب من اختلافات عديدة. فبينما حبّذ البعض المشاركة بالانتخابات والحصول على الأغلبية ومساندة الشعب، فضّلت الأغلبية مواصلة دعم التجمهرات العمالية بالشوارع والإضرابات بالمصانع. ومطلع عام 1919 حصل ما لم يكن في الحسبان.

وتماما كما حصل خلال تشرين الثاني/نوفمبر 1918، تجمهر يوم 4 يناير/كانون الثاني 1919 عدد كبير من المحتجين المدعومين من قبل الحزب الشيوعي للاحتجاج على إقالة مدير شرطة برلين الذي رفض استهداف المحتجين أثناء إحدى المظاهرات أواخر العام الفارط. وخلال اليوم التالي، تزايد عدد المحتجين بشوارع برلين وقدّر عددهم بمئات الآلاف، كما اتجه بعضهم لحمل السلاح معلنين تمردهم على الدولة وطالبوا تحت تأثير من كارل ليبكنخت وروزا لكسمبورغ بعزل المستشار الاشتراكي الديمقراطي، واحتلوا مقر إقليم الشرطة بالمنطقة وانتخبوا داخله لجنة ثورية تكونت من 53 عضوا.

يوم 7 يناير/كانون الثاني من عام 1919، دعا الشيوعيون لإضراب عام ببرلين، وقد استقطب هذا الإضراب نحو 500 ألف شخص ممن رفضوا وضعية البلاد ما بعد الحرب العالمية الأولى. لاحقا وبدعم من البلشفيين الروس، اتجه ليبكنخت للمطالبة بثورة شيوعية على الطريقة الروسية، فعمد المسلحون للسيطرة على العديد من المباني الهامة وأنشأوا الحواجز عند الجسور وبالأنهر استعدادا للأسوأ.

وبينما حاول البعض دون جدوى إقناع قوات البحرية بالانضمام إليهم والتمرد، انقسم المحتجون حول طريقة التعامل مع الوضع حيث فضلت نسبة كبيرة من الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين سياسة التفاوض مع الحكومة لإيجاد مخرج، بينما طالب ليبكنخت برفع السلاح وأعلن انشقاقه يوم 8 يناير/كانون الثاني 1919 من اللجنة الثورة.

تزامنا مع ذلك، انتشرت ببرلين معلومات حول استقطاب الحكومة لقوات الفرايكوربس (Freikorps) الشبه عسكرية من أجل إعادة السيطرة على العاصمة بعد تكليف المستشار إيبرت لوزير دفاعه بهذه المهمة. وكرد على الأمر، أمر ليبكنخت مسلحيه المتمردين بالاستعداد للمعركة.

وفي نفس اليوم، اجتاح نحو 3 آلاف عنصر من قوات الفرايكوربس مدججين بالأسلحة والعربات العسكرية العاصمة برلين. ومستغلين تفوقهم التقني، تمكّن جنود الفرايكوربس من حسم المعركة بشكل سريع فقتلوا أكثر من 150 من المتمردين واعتقلوا المئات واستعادوا المباني الحكومية وأعادوا فتح الطرقات.

إلى أن ألقى المسؤولون الأمنيون يوم 15 يناير/كانون الثاني من عام 1919، القبض على كل من كارل ليبكنخت وروزا لكسمبورغ، وأعدموهما لينتهي معهما تمرد سبارتاكوس الذي أرق ألمانيا وهدد بنشر الثورة البلشفية نحو مناطق واسعة من أوروبا الغربية.