كيف طردت أميركا النساء الصينيات من أراضيها.. ولماذا؟

نشر في: آخر تحديث:

منذ ظهور حمى الذهب بكاليفورنيا في حدود منتصف القرن 19، تدفق عدد كبير من المهاجرين الصينيين على الولايات المتحدة الأميركية سعيا وراء الثروة وأملا في تحسين ظروف حياتهم والتخلص من ويلات الجوع والفقر بوطنهم. ومع طردهم من مواقع التنقيب عن الذهب، انتقل الصينيون للعيش بالمدن الأميركية وشيدوا بها نوعا من الأحياء القصديرية لقبت بتشايناتاون (Chinatown) كان أبرزها بمدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا.

عبودية ودعارة

إلى ذلك، أقبل الصينيون على العمل بالوظائف الشاقة بالمطاعم ومشاريع السكك الحديدية وقبلوا بأجور زهيدة مقارنة بالمواطنين الأميركيين فأثاروا بذلك غضب وسخط أهالي البلد الذين ارتفعت في صفوفهم نسبة البطالة وبلغت أرقاما قياسية.

وأمام عدم قدرتهم على تجميع مبالغ مالية كافية لتلبية حاجياتهم، لجأت نسبة كبيرة من النساء الصينيات بسان فرانسيسكو نحو أعمال الدعارة لتظهر بذلك تجارة جديدة بالمنطقة عرفت بتجارة الجنس أثارت قلق الأميركيين وزادت من الشعور المعادي للصينيين بالبلاد.

فعلى حسب كثيرين، جاءت عملية تجارة الجنس واستغلال العمال الصينيين للعمل لساعات طويلة وبأعمال شاقة مقابل أجور زهيدة لتذكر الأميركيين بفترة العبودية التي أجهضت عام 1865 عقب حرب أهلية دامية أسفرت عن مقتل نحو 600 ألف شخص.

وقد جاءت هذه الأعمال التي مارسها المهاجرون الصينيون لتصب ضد تيار القوانين والإصلاحات والقيم التي أرسيت بالمجتمع الأميركي عقب انتصار الشمال وإعادة توحيد البلاد.

أيضا، اتهمت الجمعية الطبية الأميركية الصينيات العاملات بمجال الدعارة بنقل بكتيريا وأمراض دخيلة على الأميركيين منتشرة بالصين وتحدثت عن عدم قدرة أجساد المواطنين الأميركيين على مقارعتها.

محظيات للمتزوجين

من جهة ثانية، أشارت بعض التحقيقات والشهادات عن قدوم العديد من الصينيات للولايات المتحدة الأميركية للعمل كمساعدات ومعينات منزلية ليبعن على إثر ذلك بأسعار رخيصة بأروقة تشايناتاون ويتحولن من ثم لمحظيات بمنازل الصينيين المتزوجين مجسدين بذلك نوعا من أنواع برامج تعدد الزوجات الذي كان محرما بالمجتمع الأميركي.

أيضا، مثّلت معضلة الأطفال الصينيين تحديا كبيرا أرّق السلطات الأميركية. فبموجب التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي، اعتبر أطفال الأزواج الصينيين الذين ولدوا على الأراضي الأميركية مواطنين أميركيين وقد أجبر ذلك المسؤولين على قبولهم ودمج عاداتهم وتقاليدهم بالثقافة والمجتمع الأميركي.

طرد النساء الصينيات

في الأثناء، لم يكن المشرعون الأميركيون قادرين على سن قوانين تحرم دخول النساء الصينيات للبلاد بسبب عرقيتهم فاتجهوا بدلا من ذلك لسن نوع من القوانين الأخلاقية للحفاظ على المجتمع الأميركي عن طريق مراجعة معاهدة 1868 مع الجانب الصيني وإنهاء سياسة الحدود المفتوحة وفرض قيود على هجرة الصينيين.

وبذلك، ظهر عام 1875 قانون بايج (Page) نسبة للسياسي الكاليفورني هوراس فرنسيس بايج (Horace Francis Page) الذي حمل منذ فترة شعار إنهاء قدوم العمالة الصينية الرخيصة والنساء الصينيات المنحطات أخلاقيا.

وقبل قدومهم للأراضي الأميركية، خضعت النساء الصينيات عند مرورهن بهونغ كونغ لعدد من الأسئلة التي حددتها السفارة الأميركية فأجبرن على تقديم معلومات واضحة حول أسباب هجرتهن وأعمالهن السابقة بالصين كما التقطت لهن صور وتحدثن عن حياتهن وعلاقتهن بمجال الدعارة. إلى ذلك، دوّنت هذه الإجابات التي قدمتها الصينيات بشكل دقيق وبميناء هونغ كونغ أعيد طرح نفس الأسئلة عليهن للتأكد من صدق نيتهن عن طريق تطابق الإجابات.

أسئلة صعبة

وعند بلوغهن موانئ كاليفورنيا، أعاد مسؤولو الميناء طرح نفس الأسئلة مرة أخرى على الصينيات وفي حال وجود اختلاف في الإجابات أجبرت الأخيرات على العودة أدراجهن نحو الصين. أيضا، أجبرت المهاجرات الصينيات على تقديم دلائل حول نسبهن المرموق كما عمد المسؤولون الأميركيون أحيانا للتثبت من صفاتهن الجسدية للتأكد من صدق كلامهن.

من جهة أخرى، توعّد هذا القانون بمعاقبة كل أميركي ينقل صينيا ضد رغبته نحو الأراضي الأميركية للعمل بمهام شاقة أشبه بالعبودية بغرامة مالية بلغت حوالي ألفي دولار وبالسجن لمدة عام كامل.

لاحقا، أسهم هذا القانون في تراجع عدد النساء الصينيات اللواتي عملن في مجال الدعارة كما حلّ أيضا العديد من الأزمات السابقة التي أرقت المسؤولين الصينيين. فقبل أشهر قليلة من إقرار قانون إقصاء الصينيين عام 1882، حلّ أكثر من 39 ألف صيني بالأراضي الأميركية كان من ضمنهم 139 امرأة فقط، وبسبب ذلك عجزت نسبة كبيرة من الصينيين عن التزاوج والإنجاب فيما بينهم، مساهمين بذلك في تراجع نسبة المواليد ذوي الأصول الصينية بالبلاد.