عاجل

البث المباشر

رغيد الصلح

كاتب وباحث في العلاقات الدولية والإقليمية وقضايا الديمقراطية، يحمل درجة الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة أكسفورد، زميل زائر في مؤسسة الدراسات الشرق أوسطية والإسلامية بجامعة درهام البريطانية.

كاتب وباحث في العلاقات الدولية والإقليمية وقضايا الديمقراطية، يحمل درجة الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة أكسفورد، زميل زائر في مؤسسة الدراسات الشرق أوسطية والإسلامية بجامعة درهام البريطانية.

المفيد في إصلاح البيت العربي

تطرقت اللجنة المستقلة لإصلاح جامعة الدول العربية برئاسة الأخضر الإبراهيمي، إلى قضايا مهمة كثيرة تتعلق بواقع ومستقبل النظام الإقليمي العربي ومؤسسات العمل العربي المشترك، وتوصلت إلى مقترحات من شأنها أن تؤثر في الأوضاع العربية . ورغم أن القمة العربية أشادت بتقرير اللجنة ورحبت بقرار مجلس الجامعة الوزاري بصدد تشكيل لجنة من الدول الأعضاء للنظر في المقترحات الإصلاحية وفي سبل تنفيذها، إلا أن أكثر الذين عقبوا على المبادرة الإصلاحية، لم يجد في ردود الفعل العربية الرسمية تجاهها مايدل على أن الطريق بات مفتوحاً أمام تفعيل هذه المقررات، أو بعضها، أو حتى القليل منها . فقد جرت محاولات كثيرة لإصلاح الجامعة ولتطوير “البيت العربي”، وتبلورت المحاولات المتعددة في توصيات ومشاريع محددة، ولكن تلك المحاولات لم تفض إلى نتائج عملية، فالرغبة في الحفاظ على “الوضع الراهن” للعمل العربي المشترك لبثت أقوى بكثير من النزوع إلى الخروج منه أو تحسينه .

رغم ذلك، فإن تقرير اللجنة مهم، ليس بسبب المكانة والمعرفة اللتين يحظى بهما المشتركون فيها فقط، ولكن لأن التقرير تطرق إلى قضايا عدة أساسية بحيث تشكل أجندة مناسبة لحوارات مفيدة حول الأوضاع العربية أيضاً . وقد كان من المفيد لو أن الأمانة العامة عمدت، في عصر الشفافية، إلى نشر هذا التقرير بعد مناقشته في القمة العربية، ولكن الأمانة العامة لم تفعل ذلك فتولت إحدى الصحف العربية مشكورة نشر ملخص مفيد له . وهذا الملخص يلقي ضوءاً على نظرة اللجنة إلى واقع الجامعة وتطورها وكذلك على أبرز التوصيات التي توصلت إليها، ومن ثم فإنه يساعد على مناقشته بانتظار نشر التقرير كاملاً خدمة للرأي العام العربي وللجامعة . وحتى يتم الإفراج عن نص التقرير، فإننا سوف نناقش هنا وفي مقالات لاحقة ما جاء في ملخصه، مع الاستعداد لإعادة النظر في أي رأي إذا جاء في النص ما يثبت بطلانه .

يتضمن ملخص التقرير إشارة سريعة إلى العلاقة بين إصلاح الجامعة وأوضاع المنظمات الإقليمية الأخرى في العالم . إن موضوع العلاقة بين الإقليمي (العربي) والعالمي هو موضوع بالغ الأهمية يحتاج إلى ما هو أكثر من ملاحظة مبتسرة خاصة به . ولعل هذا الابتسار هو الذي سهّل قبول واستخدام النمذجة الرائجة لأجيال الإقليميات التي نشأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية . وفي هذه النمذجة حكم سلبي ومطلق، كما جاء في ملخص التقرير، على الجيل الأول من الإقليميات الذي نشأ والذي أخفق بكل حساب بحيث يتحتم التخلي عنه، والدعوة إلى استبداله بنموذج جديد يأخذ في الاعتبار “نجاحات وإخفاقات الجيل الجديد من الإقليميات” وبصرف النظر عن حجم نجاحات الإقليمية الجديدة وإخفاقاتها، فإنها تبقى نموذجاً يصح التطلع إليه واستكشاف نجاحاته والسعي إلى محاكاتها . أما نموذج الجيل الأول من الإقليميات فقد صدر بحقه حكم نهائي . وعلى الأرجح فإن مسوغات هذا الحكم تضمنت أن سجل هذا النموذج حافل بالإخفاقات التي تبرر الأعراض الكامل عنه، وأنه يخلو من أي إنجاز أو أي نجاح يبرر العودة إليه . فضلاً عن اقتباسه أو محاكاته . فأي خطأ أو خطيئة وقع فيها ذلك الجيل من الإقليميات حتى استحق مثل هذا الحكم؟ بل أية مبررات نجدها حتى نقبل نمذجة الإقليميات في العالم، إلى قديمة-فاشلة بالضرورة-، وحديثة، تتضمن الفشل والنجاح معاً؟ وبين القديم والحديث أين نضع نموذج المشروع الأوروبي الذي بدأ في نهاية الأربعينات مع مشروع مارشال؟

بالعودة إلى مؤتمر سان فرانسيكو لتأسيس هيئة الأمم المتحدة عام 1945 وحتى أيامنا هذه، نستطيع التعرف إلى بعض خصائص نموذج الإقليميات القديمة الذي يطالب ملخص التقرير بالتخلي عنه . لقد شهد المؤتمر مناقشات واسعة حول مسألة علاقة المنظمات الإقليمية بمجلس الأمن واستطراداً بالدول العظمى والكبرى، وانقسم فيها المؤتمرون إلى فريقين:

فريق تمثل بالقوى العظمى نفسها، أي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (السابق) وبريطانيا التي أرادت أن تعنى المنظمة الدولية بمسألة الأمن العالمي بالدرجة الأولى وتقسيم العالم إلى ثلاثة تكتلات إقليمية أساسية تقف على رأس كل منها واحدة من هذه القوى . وفريق ثان، مثلته مصر، نيابة عن الدول العربية والبرازيل نيابة عن دول أمريكا اللاتينية، ساند قيام الأمم المتحدة بمهام حفظ الأمن العالمي، ولكنه أصر على أن تكون لها مهمات ذات طابع اقتصادي واجتماعي وثقافي على الصعيد العالمي والإنساني، وتمسك باستقلالية التكتلات الإقليمية التي تنشأ في الإطار الدولي، معارضاً بصورة خاصة هيمنة القوى العظمى عليها . وقد تمكن الفريق الثاني من إدخال تعديلات على ميثاق الأمم المتحدة لمصلحة النموذج الأول من جيل الإقليميات بحيث نشأت الجامعة ومنظمة الدول الأمريكية بعيدة عن السيطرة المباشرة للقوة العظمى، فضلاً عن المهام الاقتصادية والاجتماعية التي أضيفت إلى أهدافهما . فهل نجد في هذا الفصل من فصول الإقليميات القديمة ما يستحق الاهتمام أم التجاهل؟

فشل نموذج الإقليميات الذي سعت القوى العظمى لترويجه في المؤتمر التأسيسي للأمم المتحدة لأنه اتسم بالفجاجة والشطط، أما اليوم فإن القوى الأطلسية تحاول ترويج مشاريع مشابهة ولكنها تحاول التستر على طبيعتها . كانت الإقليمية القديمة والعالم القديم الذي تأسس في الأربعينات يميلان إلى وضع ضوابط على حركة السوق، كما يقول الاقتصادي الأمريكي بول كروغان، الفائز بجائزة نوبل للاقتصاد، لأن هذه الحركة كانت تتسبب أحياناً في كوارث اقتصادية كما حدث في الثلاثينات . ولكن المدرسة التدخلية هذه تراجعت أمام صعود النيوليبرالية . وفي خضم هذا الصعود اقترحت المدرسة النيوليبرالية الإقليمية الجديدة التي دعت إلى إلغاء القيود على حركة الأموال والتجارة بحيث فاقت إخفاقاتها نجاحاتها، واضطرت التكتلات الإقليمية إلى إدارة ظهرها لمبادئ النيوليبراليين وإلى التدخل على نطاق واسع في السوق من أجل إنقاذ الدول الأعضاء من الانهيار الاقتصادي والسياسي .

إن هذه التجارب المأخوذة من تاريخ التكتلات الإقليمية تدل على أن تصنيف هذه الإقليميات إلى قديمة وحديثة ليس في محله، وعلى أنه حينما ندعو إلى الاقتداء ببعض التجارب الإقليمية أو الاستفادة من تجاربها، فلنسمّها بوضوح، ولنحدد ماهي النجاحات التي نأمل في التعلم منها لئلا يضيع الأمر على الذين لا يتابعون بدقة التجارب الإقليمية في العالم، فيقبلون على أخذ الضار من خبراتها وتجاهل المفيد منها مأخوذين بمنافع الجديد المنحولة ومثالب القديم المفتعلة .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات