عاجل

البث المباشر

"لهم طريقهم ولنا طريقنا"

أطلق وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو موقفاً هو الأكثر حدة تجاه الاتحاد الأوروبي عندما قال: “إذا فتح الاتحاد الأوروبي طريقنا فحسناً يفعل، لأن هذا هدفنا الاستراتيجي وسنواصل على هذا الطريق، أما إذا لم يفتح لنا الطريق فلهم طريقهم ولنا طريقنا، وسنرى إلى أين سيصل كل واحد منا” .

لا ينفك قادة حزب العدالة والتنمية في تركيا الحديث عن أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لايزال الهدف النهائي والاستراتيجي لتركيا . وإذا كانوا بالفعل جدّوا على هذا الطريق عامي 2003 و 2004 ووصلوا إلى نقطة المفاوضات المباشرة في العام ،2005 غير أن التطورات التي تلت ذلك في مسار العلاقة بين الطرفين كانت سيئة للغاية، بحيث إن تركيا لم تكن بعيدة عن هدف الاتحاد الأوروبي مثلما هي عليه في الأعوام الأخيرة .

وإذا كانت العوامل المتصلة بالعلاقات الثنائية التركية- الأوروبية تقع في قلب التجاذب بينهما، فإن المتغيرات على الساحتين الإقليمية والدولية أثرت جذرياً في رغبة تركيا تحديداً في السير قدماً على هذا الطريق .

ذلك أن توجّهات تركيا في السياسة الخارجية قد انحرفت عن سياقها التقليدي في اتجاه لعب دور إقليمي أقوى وأكثر انخراطاً في التطورات في الدول المجاورة لها وحتى البعيدة .

فقد كانت تركيا حتى وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة العام ،2002 تتعاطى مع المنطقة وفق العلاقات بين دولة ودولة ولم تتعد حدود تورطها ذلك . لكن الصورة انقلبت مع حزب العدالة والتنمية حين أُطلقت سياسة “صفر مشكلات” مع جيرانها ومع آخرين . وفتحت هذه الدول قلبها وحدودها لتركيا على أساس أو رهان أن يكون ذلك لمصلحة التقارب بين شعوب المنطقة وإبعاد تركيا تدريجياً عن “إسرائيل” . ولقد قدمت بعض الدول تنازلات على حساب اقتصادها أحياناً من أجل تسهيل عودة تركيا إلى بيئتها المشرقية . لكن تبين بعد سنوات أن سياسة تصفير المشكلات لم تكن سوى تمويه وتضليل من أجل أن تتمكن تركيا من التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وأن تكون طرفاً في الصراعات الداخلية للدول والاصطفاف إلى جانب أطراف دون أخرى . وإذا كانت العين التركية قد ركّزت بداية على دول الجوار الجغرافي المباشر، فإن شهوتها إلى التدخل لم تعرف حدوداً حيث طالت يدها دولاً بعيدة مثل المغرب وليبيا ومصر واليمن والأردن وبصورة غير مباشرة بعض الدول الخليجية .

وقد اغترت تركيا بوصول قوى الإسلام السياسي إلى السلطة في مصر وتونس والمغرب من أجل التعويل على زيادة نفوذها في المنطقة، وظهرت تركيا بمظهر الراعي الرسمي والمباشر لهذه الحركات الإسلامية . والمشكلة أن هذه الحركات لدى وصولها إلى السلطة كانت تسعى لكي تلغي الآخرين من جهة وتمد مساعيها للسيطرة إلى خارج الحدود .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

إن وصول حركة الإخوان المسلمين إلى السلطة في هذه الدول جعل مخططي السياسة الخارجية التركية يعتقدون أنه سيكون بإمكانهم التحول إلى القوة الأولى في المنطقة . وبالتالي تغيير هويتها وملامحها وفقاً لما يريدون على ما كان أعلن صراحة داود أوغلو نفسه في 27 إبريل/نيسان 2012 .

إن تقدم الدور التركي في الشرق الأوسط اعتماداً على حركة الإسلام السياسي من جهة ودعم حلف شمال الأطلسي لها في الصراع الأمريكي - الروسي المتجدد عبر سوريا، ووقوع الاتحاد الأوروبي تحت تأثير أزمة اقتصادية خانقة، جعل تركيا تبطئ خطواتها على الطريق الأوروبي على أساس استعادة التاريخ وتحولها إلى دولة عثمانية جديدة قادرة على التحرك شرقاً ومن ثم تشكيل حالة ضاغطة على أوروبا .

ولا شك أن إنهاك هياكل الدول في المنطقة وتدميرها واستنزافها وتحويلها إلى كيانات صغيرة ضعيفة ومقسمة، يخدم بالكامل الهدف التركي في التفرد بالسيطرة على المنطقة .

لكن مثل هذا التطلع إلى السيطرة والتزعم على المنطقة من جانب تركيا، يحجب حقيقة أن تركيا بلد مكبل ومقيد بما ترسمه السياسات الأمريكية والأطلسية، وأن ما تعتقده خدمة لمشروعها في الزعامة، ومنها العلاقات مع “إسرائيل”، ليس سوى ترجمة للمخططات الغربية ليبقى العرب والمسلمون ضعفاء ومحاصرين .ان رهانات خاطئة ستحول دون أن تبلغ تركيا مراميها في الزعامة، وستخسر الاتحاد الأوروبي في الوقت نفسه، خصوصاً أن الاتحاد الأوروبي في الأساس مشروع حضاري قبل أي شيء آخر وهو ما كان ينقص تركيا على الدوام منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم، وكان افتقادها له في أساس انهيار الدولة العثمانية نهائياً في العام 1918 .

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات