عاجل

البث المباشر

حين يُجَوزُ الغربُ العنفَ في ديارنا

يقامر الغربيون (الأمريكيون والأوروبيون) بمصائر مجتمعاتنا ودولنا حين يزوّدون جماعات معارضة بالسلاح “لإسقاط الأنظمة”، والمقصود: لإسقاط الدولة والمجتمع ووحدة الكيان الوطني، وإشعال الفتن والحروب الأهلية باسم تحقيق “التغيير الديمقراطي” . يفعل الغربيون ذلك لا من أجل سواد عيون تلك المعارضات، ولا حرصاً على الحقوق الديمقراطية لشعوبنا التي داسَتْها الأنظمة الاستبدادية، حليفة الدول الغربية، وإنما من أجل مصالحهم فقط وفقط . أمّا حياة البشر في أرضنا، وحقهم في الاستقرار السياسي ومقدراتهم، وأمنهم الاجتماعي، ومؤسساتهم وبُناهم التحتية، وأحياؤهم وبيوتهم ومستشفياتهم ومدارس أبنائهم . . . فرخيصةٌ بحيث لا يأبه لها أحدٌ ممّن ينفخون في جمْر القتال المستعر بين أبناء الوطن الواحد، فلتذهب جميعُها إلى الجحيم إنْ تأمنَتْ بها مصالح “الأسياد” الكبار، وشمخت بسقوطها قامةُ “إسرائيل” في المنطقة، وأُعيدَ بها توزيعُ قوى الإقليم والعالم على مشيئةِ عَبَدَة رأس المال .

لا ندري كيف يَسَع الغربيين أن يبرّروا مواقفهم أخلاقيّاً؟ كيف لهم أن يرهقوا أسماعنا بمبادئ الشرعية والديمقراطية ونبذ العنف في السياسة، ويقدّموا لنا دروساً في باب السياسة المدنية وقواعدها السلمية المتحضّرة، فيما هم يشجّعون غيرهم على العنف في ديارهم، ويمدونهم - بسخاء - بأدواته ووسائله من سلاحٍ ومالٍ وأجهزة اتصال، فضلاً عن الدعم السياسي؟ كيف لا تعني لهم أرواح شعوبنا ما تعني لهم أرواح الحيوانات الأليفة والضارية في بيوتهم وحدائقهم؟ كيف ينامون بعد أن يتفرجوا على دمائنا في نشرات الأخبار، ولا ترفّ لهم جفون، بينما يكتئبون حينما يسقط جنديّ صهيوني قَتَل أطفالاً وهَدَمَ بيوتاً واقتلع أشجاراً؟ هل أخلاق الرأسمال وحشية إلى هذه الدرجة من التمييز في البشر بين مَن يستحقون الحياة ومَن يستحقون الإبادة، ومن التمييز في المجتمعات بين مَن تستحق الأمنَ والرفاه ومَن تستحق الحروب الأهلية والتمزيق، ثم من التمييز في الدول بين من تستحق التعمير ومَن تستحق التدمير؟

ليس من نفاقٍ في الأرض أجلى من هذا النفاق، الكيْل بمكياليْن، ازدواجية المعايير . . . عبارات مهذبة، بل شديدة التهذيب، في وصف هذه الأخلاق الرديئة التي تقوم عليها السياسات الغربية . لم نعثر بعد، في قواميس اللغات البشرية، عن المفردات المناسبة لتسمية هذه الأفعال السياسية التي يأتيها ساسة الغرب من دون أدنى حرج . كان يُضحِكنا، قبل ثلاثين عاماً، نَعْتُ رونالد ريغان، الرئيس الأمريكي الأسبق، ل”المجاهدين الأفغان” باسم “أبطال الحرية”، وكنّا نحسَب ذلك في جملة المبالغة والتزيد، أو حتى النقص في المعلومات والذكاء السياسي، إلى أن انتبهنا - متأخرين - إلى أن الأمر، في هذا التزوير الفاضح للحقائق، يتعلّق بعقيدة سياسية في العقل السياسي الغربي، فها هُم الإرهابيون - كما لا يفتأ الأمريكيون والأوروبيون يسمّونهم - يتحولون إلى مقاتلين من أجل الحرية والديمقراطية في بعض البلدان العربية التي نُكِبت بالتخريب الإمبريالي - الصهيوني! وهاهُمْ المقاومون من أجل تحرير أوطانهم من الاحتلال الصهيوني يتحولون - في لغة النفاق الغربي - إلى “إرهابيين”! وعلى المرء، في مثل هذه الحال، أن يقف على رأسه حتى يرى الأشياء بوضوح .

كيف يَسَع الغربيين أن يشرعنوا العنف ببساطةٍ شديدة، وأن يختلقوا عقيدةً جديدة تقول إن الحرب الأهلية التي تقود إلى تغييرٍ سياسي حرب مشروعة، وأن يزوّدوها بأسباب الاندلاع والاتّساع؟ هل يقبل أحدٌ منهم أن يحمل مواطن أمريكي أو أوروبي السلاح في وجه الدولة مطالباً بمصلحة عامّة أو خاصة؟ هل ينسون ما فعلوه بحَمَلة السلاح من معارضيهم الذين أنشأوا منظمات عُرِفت - في سنوات السبعينات والثمانينات - باسم حركات “الإرهاب الثوري” من نوع “الألوية الحمراء”، في إيطاليا، و”العمل المباشر” في فرنسا، و”بادر - ماينهوف” في ألمانيا، و”الجيش الجمهوري الإيرلندي” في بريطانيا، و”إيتا” في إسبانيا، و”الجيش الأحمر” في اليابان . . . وغيرها كثير؟ فلقد خاضت الدول الغربية وأجهزتها حرباً أمنية استئصالية، لا هوادة فيها، ضدّ تلك المجموعات المعارضة المسلّحة لأنها عبرت عن أفكارها اليسارية بأدوات العنف المسلّح الذي يَأباه منطق الدولة ووجودُها وشرعيةُ وجودها، ويجافي منطق النضال الديمقراطي: الذي هو نضال مدنيّ وسلميّ .

ولقد واجهت الدول الغربية، بنفس الحزم، عنف منظمات اليمين المتطرف، واليمين النازي، في المجتمعات الغربية للدواعي ذاتها . ولم يكن أحدٌ ليجحد حق شعوب الغرب في التمتع بالأمن والاستقرار، وحق حكوماتها في الردّ على المصادر الداخلية لتهديد ذيْنك الأمن والاستقرار، على الرغم من وعي كثيرين بأن منظمات “الإرهاب الثوري” لم ترفع السلاح في وجه النظام البرجوازي الرأسمالي إلاّ بسبب الانسداد الذي بلغه النظام “الديمقراطي” فيه .

حرامٌ عليهم العنف، حلال علينا . . حلال عليهم الأمن والاستقرار، حرامٌ علينا .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية


** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات