عاجل

البث المباشر

تحالف قديم جديد

كلما أرادت الولايات المتحدة (وإسرائيل) تنازلات عربية، تلجأ إلى تحريك المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين. وكلما تنازل العرب، أو بعضهم، صعدت واشنطن وتل أبيب وأحكمت الأخيرة سيطرتها على المزيد من الأراضي الفلسطينية، وخلقت وقائع جديدة على الأرض لعرقلة أي تقدم في التسوية أو في المفاوضات.


بعد التنازل الكبير الذي قدمته مصر في عهد السادات وتوقيع اتفاقات كامب ديفيد، استغلت إسرائيل خروج القاهرة من الصراع فغزت لبنان واحتلت أول عاصمة عربية، وضمت الجولان. وبعد تنازل الفلسطينيين في أوسلو استغلت الفرصة لتبني المزيد من المستوطنات وتطبق على القدس. وبعد تقديم العرب مبادرة للسلام في قمة بيروت عام 2002 أوقفت كل المفاوضات واجتاحت الضفة الغربية وحاصرت الزعيم الفلسطيني التاريخي ياسر عرفات، ثم قتلته مسموماً. وعندما قررت قمة سرت (عام 2010) استئناف المفاوضات مع إسرائيل خلال أربعة أشهر، ضمت الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح إلى قائمة التراث اليهودي.

اليوم تعود الولايات المتحدة إلى محاولة تحريك عملية السلام، ويستغل وزير خارجيتها جون كيري صداقاته في المنطقة لإعادة الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات، متخذاً من انشغال سورية بوضعها الداخلي، وابتعاد حركة «حماس» عن دمشق وطهران، وإعلان مصر «الإخوان» عدم تخليها عن الاتفاقات أو إعادة النظر فيها، وإقفالها الأنفاق في غزة، فرصة ثمينة لإقناع العرب بأن الوقت مناسب جداً لإعادة طرح المبادرة العربية بصيغة جديدة ترضي إسرائيل أكثر.

وإذا كان من المبكر الحكم على ديبلوماسية كيري بالنسبة إلى المسألة الفلسطينية، إلا أن بعض المواقف التي صدرت عنه وعن الرئيس باراك أوباما تؤشر إلى طبيعة تحرك واشنطن في هذه المرحلة.

بعد توسط أوباما بين إسرائيل وتركيا واعتذار نتانياهو هاتفياً إلى أردوغان عن قتل مواطنيه في الهجوم المعروف على سفينة مرمرة، وقبول الأخير الاعتذار، زار كيري اسطنبول وحض حكومة حزب «العدالة والتنمية» على إعادة العلاقات الديبلوماسية مع تل أبيب (العلاقات العسكرية والتجارية لم تقطع). وقال خلال مؤتمر صحافي مع نظيره التركي أحمد داود أوغلو إن «تركيا تستطيع بطرق عدة لعب دور رئيسي، وتقديم مساهمة كبيرة في عملية السلام (...) إن بلداً بهذه الدينامية والطاقة يمكن أن يكون له تأثير عميق في العملية».

حقيقة الأمر أن المصالحة بين نتانياهو وأردوغان بوساطة أميركية تهدف إلى ما هو أبعد من إعادة العلاقات بين حليفي واشنطن الأساسيين في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة، بعدما اطمأنت إلى أن العداء العربي - الإيراني بلغ نقطة اللاعودة، تحاول الآن تشكيل تحالف جديد عماده تركيا وإسرائيل، يتصدى لارتدادات الحروب الدائرة في سورية، بعد توقفها، أو لانتقالها إلى دول الجوار. ويكون ركيزة للمواجهة المستمرة مع طهران، بعد نزع الورقة الفلسطينية من يدها، وهي الورقة التي أدخلتها إلى شواطئ البحر المتوسط، عبر سورية.

تمهيداً لإحياء الحلف القديم الجديد بين تركيا وإسرائيل، سعت واشنطن وتسعى، عبر أنقرة وبوساطتها إلى إقناع «حماس»، باعتبارها أحد أجنحة «الإخوان المسلمين»، بالاعتراف بحق إسرائيل بالوجود والانضمام إلى مسيرة السلام التي يقودها أبو مازن، بمباركة مصرية بما «لإخوان» القاهرة من رابط أيديولوجي مع زعماء الحركة في غزة. وسيكون لهذا الحلف دور فاعل في تعطيل أي دور لإيران في المسألة الفلسطينية، ودور آخر في تعطيل دورها في سورية والعراق. وقد بدأت بوادر هذا التوجه تظهر من خلال المصالحة التاريخية بين تركيا وأكرادها، وتمتين علاقاتها مع إقليم كردستان، والضغط على بغداد التي ما زالت غير قادرة على التصدي لهذا الحلف، خصوصاً أنه يضم الأكثرية الإسلامية في مواجهة حليفها الإيراني. قد يستغرق إعلان هذا الحلف وقتاً لكنه أصبح واقعاً، وسيبدأ مهماته في العمل على إعادة الفلسطينيين والإسرائيليين إلى طاولة المفاوضات.

مرة أخرى تستغل الولايات المتحدة وإسرائيل المسألة الفلسطينية لتعميق الهوان العربي، وانتزاع المزيد من التنازلات.

* نقلا عن "الحياة" اللندنية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات