عاجل

البث المباشر

نسيم الخوري

أستاذ الإعلام السياسي في الجامعة اللبنانية، عضو الأمانة العامة في منبر الوحدة الوطنية.

أستاذ الإعلام السياسي في الجامعة اللبنانية، عضو الأمانة العامة في منبر الوحدة الوطنية.

لبنان في حالة ترقب وانتظار

بعدما كانوا يبيعون نسائمهم واعتدال الطقوس في بلادهم، يعيش اللبنانيون متعة جديدة لنسمةٍ هبّت عليهم مجدّداً من خليج فسقطت عليهم برداً وسلاماً . فتكليف تمّام سلام برئاسة الحكومة بهذا الإجماع السرّي والسحري نقلة اعتادها لبنان السياسي كما يبدو الذي أدمن الإصغاء الى ضرورة التفاعل بدلاً من المضي في التشنّج عند بلوغ المفارق الصعبة . فلا شيء يموت ويموت في تاريخ السياسة في لبنان، ولا يلغي أحد أحداً، وما يردده الناس ورئيس الحكومة المكلّف تمّام سلام يصيبون به عزّة الكثير من المواطنين من مثل قولهم أن “لا غالب ولا مغلوب في لبنان”، و”لبنان لا يحلّق إلاّ بجناحيه المسلم والمسيحي” أو “لبنان واحد لا لبنانان” .

هناك فرق كبير بين مناخي التشنج والتفاعل يلمسه اللبنانيون، بعدما بلغ وطنهم مرحلة مشابهة للعام 1975 التي كانت محكومة بالتشنّج الذي خرج بهم عن دائرة التفاعل الوطني الى دوائر من الهمس العام المحفوف بالمخاطر أو عودة دورات العنف . نعم، كان التشنّج متحكّماً بالحياة اللبنانية لثلاثة أسباب واسعة التوصيف والتداعيات:

1- أنّ الفترة الماضية ومنذ ال2005 جاءت حافلة بالكثير من العواصف السياسية المرتكزة الى التفرد السياسي والتنازع على التفاصيل والحصص والتنافر المذهبي الذي ولّد أجواء صعبة في البلاد إلى جانب سلسلة من الاغتيالات التي هزّت البلاد من جذورها، كان أقساها اغتيال الرئيس رفيق الحريري . يضاف الى ذلك الصراعات والتشنجات والتصريحات الكيدية وتهشيم الصور والمقامات التي ما عاد يضبطها ضابط وطني بين الأفرقاء، وهي مسائل كانت تلوّح بملامح المآسي والأهوال التي كان اللبنانيون أول من خبروها في الأعوام الماضية .

2- لقد ضاعف الإشتعال والنزف في سوريا هذا التشنج القائم في لبنان المحصور جغرافياً بين البحر و”إسرائيل” وسوريّا، وكاد يرسّخ حالة من الانقسام والتشرذم والتطاول السياسي بما يستعيد صورة الحروب الهائلة المدمّرة التي كابدها اللبنانيون طوال قرنٍ ونصف . وضاعف هذا الجو الشعور بالفاقة والهجرة المتنامية وكلّها تذكّيها مناخات إعلامية تتلذّذ بالمغالاة وتفتن بالسادية . إنّك لو أحصيت آراء الأغلبية من اللبنانيين من مختلف المذاهب والطوائف لوجدت إجماعاً يدين هذا الجو القاتل الذي يعمّق الشروخ بين المسؤولين سواء أكانوا في الحكم أم خارجه وبين الشرائح الكبرى من المواطنين .

3- يبدو هذا المشهد السياسي المر في لبنان، في ضوء الأحداث والتطورات المتسارعة كما كان عبر تاريخه الطويل محكوماً ومتلهّفاً للحلول الآتية من الخارج أكثر مما هو منكبّاً على الداخل . وعندما تكون السياسات لأي وطن توضع في الخارج أي خارج وتسوّى أو تعدّل وفقاً لأهواء الخارج ومصالحه المتبدلة الكثيرة، عند ذاك يمكن القول إن البلاد تدخل دائرة التقزم الشديد، وتصبح كلّ الأطروحات أو المشاريع السياسية التي تهدد الاستقرار متقدمة، وليس بالضرورة أن تكون أطروحات أو أفكاراً جديدة بقدر ما هي قديمة طوتها الأحداث أو ضرورات إيقاف الحروب الداخلية لأسباب لها علاقة بالخارج أكثر من الداخل . أليس هذا ما حصل مع اتفاق الطائف الذي طوى بضربة سحر أكواماً من الحروب والويلات التي عاشها اللبنانيون، مع أنها حروب كانت معدّة لعامين فقط منذ نشوبها في العام ،1975 وكذلك الأمر بالنسبة لاتفاق الدوحة الذي خدم هذه الفترة العسيرة من تاريخ الحكم في لبنان .

أمّا التفاعل فظاهرة تكاد تزهو اليوم في لبنان . والتفاعل يعني الحوار العاقل لا الكيدي، والكلام الهادئ الباني لا المولّع ، فهل تنفع الدبلوماسية المستوردة في إشاعة الرطوبة والحرارة في تضاعيف لبنان؟

قطعاً نعم . وخلافاً لما يظن البعض القابض على وسائل القرار أو الإعلام بأن الحركة الدبلوماسية العربية والخليجية الناشطة في هذه الفترة في بيروت، قد تسهم وهي أسهمت في تليين تلك اليبوسة التي تتحكم بمفاصل الحوار السياسي في لبنان الذي ينسف أبسط الأسس المرتبطة بالأمن والاستقرار، فإنها دبلوماسية مطلوبة ولو آلت الى تنازلات وواقعية أو حتّى وعود تقي لبنان سواد ما يرشح من المستقبل . تقول القاعدة العامّة للسلطة والحكم، إنّ أيّ اتفاق لا يكون للمواطنين حصة كبرى فيه لا يقوى على الاستمرار والعيش ولا حتّى التطبيق، ويعزّز هذه المقولة المتغيّرات التي شهدتها وتشهدها المنطقة العربية سواء أكانت المواقف منها سلبية أم إيجابية . تلك مقولة ما عادت تنسحب على لبنان أو على غيره من الدول . ولو أخذنا المسألة الدبلوماسية الكبرى التي نعني بها السلام الأساسي في المنطقة الذي ينطلق من النكبة الفلسطينية، التي تؤلّف لب الحروب والأنشطة الدبلوماسية لقلنا إنها دبلوماسيات آلت إلى تسويات منفردة للصراع العربي -”الإسرائيلي” قابلة للنقض والتغيير والنسف عندما تتغيّر الظروف، بينما يفترض السلام موافقة الشعوب ورضاها عمّا تفرزه تلك الأنشطة الدبلوماسية . ولنقل بإيجابية مطلقة إن الدبلوماسية ضرورة تلتمس في عدتها الدوائر والحوار، وهي معضلة إن التمست الضغوط والتدخل في حياة الدول وتفاصيل حكمها، عندها تتحوّل إلى وصايات يدرسها أبناؤنا في كتب التاريخ، وهذا ما يحصل في التاريخ في أغلب الأحيان .

يسير لبنان، إذن، في اتجاه مريح جدّاً سياسياً، لكنّ الانقسامات السياسية لم تتحوّل الى رماد بعد . البلد مشلول إدارياً، وفي حالة ترقب وانتظار بالدقائق للموقد السوري، وما حصل من التذكير بالمصلحة الوطنية أي العنوان الذي أطلقه تمّام سلام لحكومته الموكولة بالانتخابات البرلمانية، يعيد تذكير اللبنانيين بأنّ بلدهم هو كنار صاحب منقار صغير وجميل يشهره في وجه صراع البواشق والنسور والعقبان، ولا تحمي النسور العصافير الجميلة بل تنقض عليها كلّما حانت الظروف والمصالح الدولية . ولنقل كما قال محمد حسنين هيكل عنه، “بأن لبنان نافذة زجاجية ملونة جميلة في الجدار العربي وأهله من اللبنانيين هم أكثر من لا يعرف قيمته وجماله بتجديد تفسخهم وتجديد تهديد حضوره في الجدار” .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة