عاجل

البث المباشر

نسيم الخوري

أستاذ الإعلام السياسي في الجامعة اللبنانية، عضو الأمانة العامة في منبر الوحدة الوطنية.

أستاذ الإعلام السياسي في الجامعة اللبنانية، عضو الأمانة العامة في منبر الوحدة الوطنية.

فصل من رسالة الجوع

هل تجرؤ عينان في لبنان في القرن الواحد والعشرين أن تحدقا في فم طفل سوري أو فلسطيني يفغر فمه الصغير من الجوع فيفارق خاوياً الحياة؟ نحن لا نرجوه عضواً مسترخياً في حضن أمّه، له زجاجة حليب بين زجاجات الأرض، ولا ننتظره كي يقبض على صحنٍ في الأرض فيملأه من موائدها، ولكننا على الأقلّ لا نرضى بأن نراه مطروداً من حيّز زمانه وعمره نحو الموت بسبب الجوع والنزوح والحروب . افتحوا القواميس، ولنصغ معاً إلى كلّ المصطلحات السلبية التي يمكن أن نفسّخها من الأحرف الثلاثة “الجيم والواو والعين” أعني الجوع، فإنّنا سنجد أنفسنا في حالة عجز إنساني مطبق حيال صور الجوع الآتية من سوريا إلى لبنان طبقاتٍ طبقات .

يبدو لبنان واللبنانيون متردّدين مشدودين ضائعين في حلّ معضلات النازحين المتدفّقين إلى لبنان من الشرق في سوريا . هناك قلق ورجفة ملكية مفهومة في الأردن من ظاهرة النازحين المنتظمة نوعاً ما، وهناك خوف لبناني رسمي، وقلق ديمغرافي من إقامة مخيّمات مؤقتة تؤوي هؤلاء الطافشين في الأرض والبراري هرباً من الموت والتشويه والجوع، خصوصاً أن فلسطين ما زالت دمغة في الحبر، من ناحية التهجير التاريخي المعاصر الطريّة المقيمة في حياتنا اليومية التي يندى لها جبين الحكومات المتعاقبة والمنظّمات الدولية اللبنانية والعربية والعالم إلى تخوم الضياع، وهناك، من ناحية أخرى، تشتّت وتدفّق يوميين من الكتل البشرية التي تفترش الأرض على مساحة لبنان بما يدمغ الحبر والجبين بالعجز الكامل .

وبين صور التخمة التي ترتاح مع ساعات الصباح الأولى في براميل القمامة، وصور الأطفال والأمّهات المتهافتين يقضون نهاراتهم في نبش البراميل بحثاً عن ثوبٍ مهلهل أو علبة من بيتزا متعفّنة . يتلعثم الحبر، قطعاً، في نقل صورة الجوع أو الجياع حالياً في لبنان، وخصوصاً بعدما يطفر الناجون أو النازحون السوريون حاملين جروحهم وبؤسهم وضياعهم وعوزهم إلى اللامكان .

طبعاً، أقلّ ما في هذه الصور وصم الجوع بالكفر الذي هو أشدّ من الموت قتلاً أو تنكيلاً أو مرضاً حيث يصبح الموت حقّاً أو رحمةً . يمكننا، بهدف التلطيف، استحضار بعض الصور المألوفة للجائعين المحتاجين، المؤلمة المشابهة الماضية التي جاءت وليدة الافتنان لدى القرويين اللبنانيين بالعاصمة بيروت أو بالمدن الأخرى، وتلك ظاهرة قد تكون عالمية، وهي كانت تتراكم وتتآلف لتشكّل بقعاً من أحزمة البؤس واليأس التي قطف لبنان مراراتها ونتائجها خلال حروبه التي امتدّت عقداً ونصف العقد، وخلّفت نتائج كارثية لا يمكن نقلها بدقّة، مثلما لا يمكن لأيّ منا أن ينقل بدقّة حجم النازحين وأعدادهم وأوضاعهم .

يجب الإقرار بأنّ اللاوعي اللبناني محكوم بمقولة الربط المفهوم بين ظواهر تفاقم الغلاء والفقراء ومخاطر تفجّر الوضعين السياسي والاجتماعي . يمكنني، أدبياً، تلطيف هذه الصور أكثر، بالقول مثلاً، إن عدد الجياع في العالم يتجاوز ال900 مليون فمٍ مفتوح لالتقاط ما يبقي على قيد الحياة، وفقاً لتقرير بان كي مون الأمين العام للأمم المتّحدة للعام ،2012 أو لقوله أمام المنتدين في “القمة العالمية للغذاء” التي يمكن تسميتها ب”قمة الجائعين” في ال 2009 في روما، أن سبعة ملايين طفل يغادرون العالم سنوياً بسبب الجوع، وهذا يعني موت طفل جائع كلّما مرّت ثوان خمس، لكنّ هذا الكلام المتراكم لم يحدّ من فقراء العالم الغارقين في الجوع، فيما تتعفّن الحبوب في مخازن العالم، أو تحرق بهدف البحث عن الطاقات البديلة، وتتسابق الدول على استئجار الأراضي لتطويق مخاطر الأفواه الفاغرة المنتظرة في صراع الأمم المقبل .

وتشير، في هذا المجال، شركة Hart Energy Consulting إلى أن استخدام الوقود العضوي سيصل عام 2015 إلى 30% في الولايات المتحدة، وأنه سيشكل ما بين 12 و14% من الاستخدام العام للوقود في العالم، وكأننا أمام مفارقة إنسانية مخيفة هي نمو الجوع في وسط الرفاه والوفرة اللتين تؤمّنهما معضلة الاحتكار التاريخية في العالم . يمكنني الحديث عن مصطلحات الجدب أو الأراضي البعل المشققة التي يقرفص فوقها العطاش منذ طاشت المعمورة من تحت الماء، والتي أدّت إلى توليد أسطورة إله بعل الذي يخصّب الأرض بالماء ويبقى عطشاً أو يتّخذ اسم العطش لشدّة عطائه . ويمكننا نبش أساطير آلهة الجوع اللامنتهية من باطن تواريخ الهنود في أمريكا اللاتينية، أو العودة إلى فتح الصرّة التي منها خرجت سلاسل الكوارث الإنسانية والشرور وكان الجوع المعمّم على ظهر الكوكب شمسها البائسة في تاريخ الإنسانية . يمكنني عصر كتب التاريخ منذ القرون الوسطى وتقديم سلاسل لا منتهية تدّعي المعرفة والعلم والأرقام الدقيقة حول ملايين الملايين الذين ماتوا لا بسبب الحروب بل بسبب تداعياتها أي بسبب الفاقة والجوع والأوبئة والأمراض، وأعداد الموتى من الفقراء والجائعين قد يتجاوز في حوادث كثيرة أعداد الساقطين في حفرة صاروخ أو ضربة عصا أو رصاص .

يمكنني العودة إلى القرن الرابع عشر أي إلى إبن خلدون الذي ربط الحضارة بعدد السكان والنمو الديمغرافي، وهي النظريّة التي تلقّفتها جمعيات تنظيم الأسرة التابعة للأمم المتّحدة، أو أعود إلى نظرية “مالتوس” القائلة أن عدد السكان يتجاوز بكثير حجم المواد الغذائية التي تنتجها البشرية لأنّ التناسل أقوى من قدرات الأرض على الخيرات، ولهذا السبب يرى حاملو نظريته أن البشرية استهلكت 5 ملايين سنة لكي يصل عددها إلى ملياري نسمة، وإلى نصف قرن كي تقفز إلى أربعة مليارات، ثم إلى 22 سنة فقط لكي نصبح 6 مليارات . إننا إذ نحاول إطعام العدد المتزايد من أبناء جلدتنا، فإننا نعرض بذلك للخطر عموماً قدرة الأرض نفسها في الحفاظ على حياة ما على سطحها .

ماذا يعني هذا الكلام؟ صفراً مكعّباً يضمّ إلى أصفار لا تنتهي من الكلام المشابه الذي لا يحلّ صرخة رضيع جائع نحو الموت، قبل أن نعاجله بنقطةٍ من حليب . نحن أمام معضلة عربية كبرى وفصل من رسالة الجوع .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة