عاجل

البث المباشر

كمال قبيسي

<p>كاتب لبناني</p>

كاتب لبناني

الشيشاني وأخوه والبلد الذي خانوه

منذ الاثنين الماضي وأنا أقرأ عن القتيل الشيشاني، تامرلان تسارناييف، وأخيه الأصغر المعتقل دجوهار، شريكه في تفجيري بوسطن الدمويين، وأعتقد أن ما قرأته يعادل كتابا ضخما وأكثر.. لم أجد أبدا أنه امتهن في حياته عملا ثابتا مستقرا ليعيل نفسه وزوجته وابنة له منها صغيرة، سماها زهرة، وبالكاد عمرها 3 سنوات.

دخل معهد دراسات عليا، حيث تعرف إلى من أصبحت زوجته فيما بعد، وهي أميركية من عائلة راسل وميسورة الحال، فأكملت دراستها وحققت حلمها عام 2007 وتخرجت، وبقيت معه على الدرب، فتزوجته واعتنقت الإسلام وتحجبت، كما يريدها تماما. أما هو فانسحب من منتصف الطريق ولم يتسع لكلية الدراسات العليا صدره أكثر من عامين.. لم يكمل تعليمه وخرج مهزوما.

تجولت لساعات في قناة أسسها باسمه الكامل في موقع "يوتيوب" الشهير، فلم أجد فيها شرائط فيديو لها علاقة بأي شأن ثقافي أو علمي أو تتضمن على الأقل محتويات قد تساعد أي شاب مثله عمره 26 سنة على أن يعمل ويطور من قدراته ويمضي في الحياة الى الأمام، ولا وجدت تعليقا له على محتويات فيديو آخر أثار اهتمامه، كما وكأنه بلا فضول وجيفة لا علاقة لها بأي شأن في الحياة.

رأيت في قناته شرائط تحريض ديني لآخرين فيها حقد وكراهية وتعقيدات تفسيرية مما يأباه الله ورسوله والمؤمنون، وتؤكد أن ميله اليها نابع من انحراف أكيد عن فهم القرآن ورائعاته، ومنها آية "وما أرسلناك الا رحمة للعالمين". كما وانحرافه عن دين سلاحه التسامح والحث الدائم على الانتاج والتعمير والتطوير وبذل الجهد لإعالة النفس والعائلة والمقربين والمساكين وإيتاء الزكاة، وهذا الركن الأساسي دليل الحث على العمل المحقق مسببات الربح، وعنه تفرض الزكاة.

كان يمضي وقته بممارسة الملاكمة كهواية فشل بتطوير قدراته فيها وبقيت له مصدر حلم خيالي بأن يأتي يوم يمثل فيه الولايات المتحدة بالملاكمة في الأولمبياد، فلم يفلح، وارتد على نفسه مهزوما أيضا. وكان يمضي وقته بقراءة كتب دينية لا يعرف ربما أن غيره هو الذي يكتبها، وغيره يطبعها وغيره يوضبها ويوزعها ويشقى عاملا في حقلها كمصدر رزق يتطلب الكثير من عرق الجبين.

نرى في صور بثتها الوكالات لأبيه أزنور، ولبيت يقيم فيه مع زوجته زبيدة في بلدة بجمهورية داغستان الروسية بأنه بسيط الحال ويبدو مفتقرا إلى الضروريات والبديهيات. كما له شقيقتان كانت والدته تقيم مع احداهن في نيويورك، وهما تعملان هناك برغم أن حالتيهما من الأسوأ. أما شقيقه الأصغر وشريكه بالتفجير، فأسوأ منه بكثير، أخلاقا وكسلا واستهتارا وفقدانا للضمير، مع أنه طالب بكلية الطب، لكنك لا تجد أي معلومة تفيد بأنه مارس عملا، ولو في العطلات، الى درجة أنه حضر بعد يومين من التفجير حفلا لزملائه الطلاب، فرقص وفرح حتى الفجر، تاركا البلد الذي حن عليه يبكي قتلاه.

قرأت عن الشيشاني وشقيقه الأصغر، وتذكرت بعض من عرفتهم في حياتي، ممن لم يكونوا متدينين، لكنهم كانوا حين تضيق بهم الحال يسرعون بالهجرة الى آخر الدنيا للعمل واعالة عائلاتهم ليكونوا محترمين. وكان لي صديق في البرازيل خسر في ظروفها الاقتصادية السيئة بالثمانينات معظم رأسماله في سان باولو، وأصبح مهددا بالنوم وعائلته في الشارع.. ماذا فعل؟

شمّر عن ساعديه وترك زوجته وولديه في سان باولو، والتحق بشقيق له يملك محلا بسيطا لبيع الأقمشة في دكار، عاصمة السنغال، وبعد عام من العمل جاء بزوجته وولديه وعمل الجميع معا، وهو وشقيقه الآن أصحاب رساميل يسيل لها لعاب الفاشلين.

أما الشيشاني فالعكس تماما.. نموذج لمن لا يفعلون شيئا، وفوق ذلك يقتلون الأبرياء ويخونون بلادا استقبلتهم لاجئين، وفتحت لهم ذراعيها، ولهم أتاحت فرص الانتاج والعمل، وبدلا من أن يكدوا ويعملوا كشكر منهم لمن أقاموا فيها أكثر من 11 سنة، راحوا يرهبون ويقتلون شعبها غدرا وبهتانا، ظنا بأن للجنة جسر واحد فقط، ومعبّد بجثث بريئة لا يعبره اليها الا قتلة الأبرياء باسم شريعة سمحاء انحرفوا عنها ظنا بأنهم على صواب، فانطبقت عليهم آية رائعة، هي الرقم 104 من سورة "الكهف" في القرآن العظيم: "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا".

تصور.. الشيشاني يقتل الناس ويموت هو وأخوه، من دون أن يفكر بابنة له تركها صغيرة ويتيمة ووحيدة من دونه في العالم، ومعها ترك زوجة أميركية من عائلة محترمة اعتنقت الاسلام من أجله، لأنها أحبته فعلا.. تخلى عن كل ارتباط وثيق وترك الجميع لمصيرهم في سبيل ظنه الأناني بأن الخلود الأبدي لا يتحقق للإنسان في الإسلام إلا باختصار الطريق في ضربة على السريع من القتل والترهيب.. أليس هذا بالأمر العجيب؟

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات