خباز الريس

الصغير سلام

نشر في: آخر تحديث:

منذ أن كان وزيرا دأب السيد الرئيس أطال الله عمره على الخروج من شقته المتواضعة بالأبيار بأعالي العاصمة الجزائرية بعد صلاة الفجر مباشرة ثم يدلف إلى مخبزة صغيرة في شارع فرعي وهو ملفعا بعباءة الصلاة, يقف أمام عمي بوجمعة فيبادره بإلقاء التحية: "صباح الخير سيد الرايس الخبز والكرواسان جاهزين" ثم يسلمه كيسا بخفة يحسد عليها وهو في الواحدة والسبعين من عمره. يستلم الرئيس حاجته يسأل الخباز عن صحته و كيف هي أحواله مع مرض السكري فيرد عمي قويدر وهو يرفع يديه نحو السماء قائلا: الحمد لله ..العمر بيد ربي.


يضع الرئيس في يد عمي قويدر ورقة نقدية ثم يهم بالمغادرة قائلا: الله يجيب الخير عمي قويدر إذا احتجت أي شيء رجاء لا تتردد في طلبه"..
يمضي الرئيس إلى شأنه ويغرق عمي قويدر في شؤون مخبزته وهو يحث أولاده وأبناء أخيه على النشاط لتوفير طلبيات الخبز وتوفير ما يحتجه الزبائن من خبز وحلويات و"كرواسان".. ليتفرغ في حدود السابعة والنصف لشرب قهوته بدون سكر ولقراءة جريدة "المجاهد" (أعرق جريدة في الجزائر ظهرت لأول مرة في يونيو 1956) والتي ألف مطالعتها منذ نصف قرن من الزمن..


ذات صباح وعلى غير العادة تفاجأ أبناء عمي قويدر وأبناء أخيه وهم يشاهدون الرجل يخرج من المخبزة و يعود إليها عشرات المرات وعيناه لا تفارقان الساعة الكبيرة على الحائط..و كلما مضى الوقت تزداد حركة عمي قويدر بعد أن سيطرت عليه علامات الاضطراب ..سمعه أولاده يتمتم: إن شاء الله خير الرئيس لم يأت كعادته و ليس من عادته أن لا يخبرني حين يسافر!!!" .. لا تتعجبوا فعلا في كل مرة كان الرئيس يطلب من الخباز إذا كان مسافرا أن يتصدق بكيس الخبز و"الكرواسان" كل صباح ..ثم يتركه في أمان الله..


كان عمي قويدر ينفذ وصية الرئيس بالحرف الواحد ..و يتصدق بكيس الرئيس لأرملة تسكن في الجوار هاجر ابنها الوحيد إلى كندا و لم يعد منذ عام 1992 ..آخر مرة كلمها عبر الهاتف كان ذلك عام 2009 قال لها آنذاك أنه تزوج من امرأة كندية و انجب طفلة سماها على إسمها ووعدها بالمجيء صيفا لزيارتها لكنه لم يفعل لأسباب تبقى مجهولة ومن يومها ولم يعد هاتفها يرن..


عمي قويدر لا زال قلقا ..خطف صحيفة "المجاهد" بلهفة من يد ابنه وتسمرت عيناه على الصفحة الأولى " الرئيس يصاب بنوبة إفقارية" ! تساءل عمي قويدر في قرارة نفسه متعجبا "سبحان الله الرزاق ..حتى الرئيس صار فقيرا ربما لهذا لم يأت لأخذ كيس الخبز و"الكرواسان"..لكنني والله لن أخون الأمانة وسأواصل التصدق بكيسه مادمت على قيد الحياة"‍‍..!


انتشرت أخبار مرض الرئيس والخباز لا يصدق ما يشاع و ما يذاع و ظل يدعو له بالشفاء و طول العمر وأن يرزقه شفاء ليس بعده سقما ..تزايدت الاشاعات رغم بيانات الوزارة الأولى المطمئنة حول الحالة الصحية للرئيس ومع شح الأخبار القادمة من "فال دوغراس" بالضفة الشمالية من البحر المتوسط أصبح الجميع ينسج السيناريوهات.


"القهواجي" قال أنه انقلاب صحي مثلما حدث ذات يوم للرئيس التونسي الحبيب بورقيبة الذي حكم البلاد ثلاثين سنة من 1957 عند استقلال البلاد إلى غاية إزاحته عام 1987 تاريخ ازاحته في انقلاب طبي بعد ان عجز صحيا إثر إصابته بمرض باركنسون و قضى بعدها ثلاث عشرة سنة داخل إقامة محروسة. أما الحلاق فأقسم برأس والدته و زوجته أن أصحاب القرار ومن أتوا بالرئيس هم الذين "مرّضوه" لكي يغيروه في العهدة الرابعة برئيس يكون هو الآخر مرشحا للإجماع الوطني ..في حين حلف "الإسكافي" على المصحف أن قريبه الذي يعمل ميكانيكيا في حظيرة سيارات الرئاسة سمع صوت الرئيس يخرج من النوافذ و هو يصرخ غضبا قبل أن تأتي سيارة اسعاف نقلته على جناح السرعة براّ إلى فال دو غراس بفرنسا ( طبعا عمنا الإسكافي ألغى البحر المتوسط من الخريطة !!)..


وحده عمي قويدر لم يصدق تلك القصص والروايات وظل يتصدق كل صباح بكيس الرئيس لأرملة الحي وواصل بيع الخبز للزبائن ولا يزال يحضٍّر "الكرواسان" كالعادة إلى أن جاء اليوم الذي رفع رأسه فجرا ليرى الرئيس يدلف إلى مخبزته وهو ملفعا بعباءة الصلاة فبادره عمي قويدر "صباح الخير يا الرايس الخبز و الكرواسان جاهزين" فرد الرئيس "صباح الخير عمي قويدر" ثم سأله عن الصحة و حاله مع السكري وقبل أن ينصرف قال له: لا تنسى عمي قويدر اليوم الانتخابات ..سنختار رئيسا جديدا !!)

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.