السياسة‮ ‬والأخلاق

فوزي اوصديق

فوزي اوصديق

نشر في: آخر تحديث:

لا شكَّ أن هذه العلاقة بين المصطلحين تثير إشكالية كبيرة في الوسط السياسي والاجتماعي، فطالما أشغل هذا الجدل حولهما حكماء وفلاسفة وسياسيين منذ الأزل. إلا أن الوقت الراهن يدفعنا بشكل كبير لمناقشة هذه القضية. فالكل يدرك أن السياسة يجب أن تقوم على الأخلاق أولاً، وبعدها تتوالى بكل جوانبها حسب ضروراتها وأولوياتها. وسيد الأخلاق في السياسة العدل بين الجميع، كي لا ينمو القهر والاستبداد في تسييس الشعوب، مما يولّد التطرّف والعنف، وبالتالي تتشوّه كل المُثُل الخيّرة والقدوة الصالحة، وتفقد الثقة بين الجميع. فإذا كانت أخلاقنا‮ ‬تدفعنا‮ ‬للتعامل‮ ‬المثالي‮ ‬مع‮ ‬الأفراد،‮ ‬فمن‮ ‬الأوْلى‮ ‬أن‮ ‬تكون‮ ‬السياسة‮ ‬أخلاقية‮ ‬في‮ ‬التعامل‮ ‬مع‮ ‬المجتمعات‮ ‬كونها‮ ‬تمثّل‮ ‬أفراداً‮ ‬مجتمعين‮.‬

أستهلُّ‮ ‬حديثي‮ ‬باقتباس‮ ‬ٍ‮ ‬لبيتٍ‮ ‬قاله‮ ‬أمير‮ ‬الشعراء‮ ‬أحمد‮ ‬شوقي‮ ‬‭:‬

إنما‮ ‬الأممُ‮ ‬الأخلاقُ‮ ‬ما‮ ‬بقيتْ‮ ‬فإنْ‮ ‬همُ‮ ‬ذهبتْ‮ ‬أخلاقهم‮ ‬ذهبوا

و بالرغم من بديهية دوران هذين المصطلحين حول نفس المحور، إلا أننا نشهد تباعدهما وتنافرهما في وقتنا الراهن، فالمجتمع يرى أن الأخلاق سامية جدا، بينما ومن خلال انعكاس بعض السياسات المستبدة، يرى أن السياسة شر وانتهاز واستغلال للشعوب. حيث بات منتشرٌ أن الأخلاق الحميدة في زمن هذه السياسات المستبدة لم تعدْ تجدي نفعاً، فالكذب أجدى من الصدق، والنفاق أجدى من الصراحة، ممّا شوّه الرابطة الوثيقة لهدف السياسة والأخلاق، ألا وهو منفعة البشرية وخيرها. إلا أنه ورغم إيمانه بهذا الاعتقاد المشوّه يدرك أنه بذلك ينتقص من قيمته المعنوية‮ ‬وبالتالي‮ ‬يفقده‮ ‬من‮ ‬رصيده‮ ‬في‮ ‬الطمأنينة‮ ‬الداخلية‮ ‬أيضاً‮.‬

و لو عدنا إلى الوراء قليلاً، أو دعونا نقول ـ لو عدنا إلى مبادئنا الإسلامية ـ سندرك أن أيديولوجية الدين الإسلامي تسبق بكثير نظرية الأخلاق في عهدنا، حيث وأنه استناداً لمبادئه "لا أخلاق بلا دين". واستطاع الإسلام من خلال فهمه للعمق الإنساني الكلي الشعور الذي يدفع الفرد للتفكير فقط بالحالة النفعية في تسيير حياته، وأن يتبع سياسة فاقت رغم قدمها ما نعايشه من ثقافة السياسات المختلفة. فالشر والخير هما محوران من أهم محاور الأخلاق، وبالتالي فإن الظلم والعدل من أهم محاور السياسة، إذاً فكلٌّ من الأخلاق والسياسة محتويان بعضهما الآخر، وكل منهما تابع للآخر، ويمثّل مبتدأ الآخر ومنتهاه، ولن نستطيع الفصل بينهما لأنهما أساس بناء المجتمعات السليمة والمتقدّمة. ونرى ذلك يتجسّد في أغلب المجتمعات الغربية من حيث اتصال الفضائل السياسية والفضائل الأخلاقية في العمل، لأنها تتلاقى في مصبّ النظام العادل. وهنا تكمن حكمة النظم السيساسية كي تحقق أول وأهم مطلب داخلي للأفراد وهو الحرية، التي تحافظ على حريات الآخرين. وبالمقابل فإن استقرار الرضى جرّاء التوافق والمعاهدة على أسس التراضي بين المجتمع وسائسيه، تفرض الاحترام المتبادل بينهما، فالسياسة تصون كرامة الفرد وحقوقه، والمجتمع يُرسي مناخاً أخلاقياً سليماً، مما يضمن لجوء كل منهما لمفهوم مشترك اسمه "سياسة الأخلاق" فالسياسة أصلاً تعني إرشاد الناس وتوجيههم وسوسهم لإصلاح أمورهم، ولكن للأسف نراها الآن اتّخذت مجرىٍ مختلفاً، فباتت تنْظُمُ سجلاّتٍ من القوانين المادية، بحجة أن الأخلاق باتت دفينة مدينة أفلاطون الفاضلة والتي انقرضت أو اندثرت. فبات من المهم جدا إدراك السياسات الحالية لمسألة أنه مامن غاية تسمو فوق غاية حق الإنسان في الحياة والحرية والكرامة.و هذه الغاية يجب أن تكون منطلق كافة السياسات. فلإنسان هو غاية الحياة وهو منطلق الحياة. وقهر السلوكيات الخاطئة من قبل السياسيين لا يجب أن يكون بردّات فعل خاطئة، بل يجب أن يكون مبنيّاً على أُطُرٍ ديمقراطية وأخلاقية تضمن التوافق بين الغايات والوسائل. والفصل بين السياسة والأخلاق يقود إلى تقويض أركان المجتمع الإنساني‮ ‬وهنا‮ ‬يحضرني‮ ‬قول‮ ‬مالك‮ ‬بن‮ ‬نبي‮ ‬رحمه‮ ‬الله‮ :‬

‭" ‬إذا‮ ‬كان‮ ‬العلم‮ ‬دون‮ ‬ضمير‮ ‬خرابُ‮ ‬الروح،‮ ‬فإن‮ ‬السياسة‮ ‬بلا‮ ‬أخلاق،‭ ‬خراب‮ ‬الإنسانية‮. "‬

وما‮ ‬نريد‮ ‬إلا‮ ‬الإصلاح‮. ‬والله‮ ‬وليُّ‮ ‬التوفيق

نقلاً عن صحيفة "الشروق" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.